القطط السمان

حين كان الرخاء والأمان يعمان الحجر الأسود كانت القطط تتغذى على ما تيسر لها مما تقدمه الأسر الفقيرة المتواضعة الحال في الحجر الأسود من فضلات الطعام. وكانت هيئتها تدل على أنها تفتقد إلى الغذاء الجيد، فالنساء في الحجر الأسود مهووسة بداء اسمه النظافة، لذلك كانت النسوة يتخلصن من فضلات الطعام بسرعة، ولا يتركن مجالاً للقطط للعبث بمحتويات أكياس القمامة في المطابخ أو أمام البيوت. لذلك كانت هذه القطط النحاف تتقاتل دائماً على مكبات القمامة، وخاصة المكب الكبير قرب خزان الكهرباء. ومن حيث وجبة القطط المفضلة، الجرذان والفئران فقد قضت عليها النسوة منذ زمن بعيد، سواء بواسطة القتل مباشرة بأيدي الجريئات منهن، أم بأيدي رجالهن أو بالسم.

 سنوات وسنوات مضت على هذا الحال، ولم تهاجر أو تترك الحي قطة واحدة طمعاً بطعام أفضل أو مكان رطب صيفاً ودافئ شتاء، بل بقيت متمسكة بالبيئة التي ألفتها والمكان الذي احتضنها، ما خلا تلك القطة التي استجابت لمواء قط عاشق متيم يقيم في اليرموك أو سبينة فخدعها وأبعدها عن مسقط رأسها أو مملكتها التي ترعرعت فيها.

 

 مشهد طارئ

ما أدهشني هو عودة الكلاب بكثرة وشراسة إلى الحجر الأسود بعد مرور سنوات طوال افتقدناها، كنت أسمع بفترات متباعدة نباحاً خافتاً من عمق الليل لكلب قد يكون ينادي محبوبته أو يبكي هجرانها أو فقدانها، أو ضل طريقه التي كان يسلكها مع أصدقائه وهم في رحلة البحث عن صيد يأكلونه .

باتت تلك الكلاب تسهدني وتقض مضجعي ليلاً، لدرجة أن ضجيج نباحها طغى على صوت الانفجارات وأزيز الرصاص. أدفن رأسي تحت الوسادة حتّى يمضي قطيع الكلاب المسعورة الشاردة تحت بيتي مطارداً كلباً استحوذ على دجاجة عفنة تفوح منها رائحة ناخزة تزكم الأنوف (وتليع) المعدة وقد تركت في براد بيت هجره ساكنوه على عجل هرباً من قذيفة عمياء أو من اشتباك قريب بين الإخوة، واستباحه اللصوص بعد هربهم فتركوا أبوابه مشرعة تنادي الكلاب والقطط.

 

مشهد من الماضي القريب

في الحجر الأسود كنت أصحو على تغريدات العصافير الكثيرة جداً تتراقص على شجرة التوت العملاقة الشامخة في بيت الشيخ أبي حاتم. الشوارع تشتكي من كثرة الناس ووقع خطاهم، وصراخ الباعة في سوق الخضار يجذب ربات البيوت المتلفعات بالسواد، والسافرات المطليات بكل أنواع الزينة والموظفات بعد الدوام. رجال ونساء وصبايا حالمات وجوعى ومتسولون وعشاق يقتنصون فرصة ذهاب حبيباتهم للتسوق، (شوام وأدالبة وحلبية وفلسطينية ونازحين وحوارنة وديرية وحمصيّة وساحلية وحموية وأكراد وتركمان وعراقيين وشركس وبدو و…) كلهم يتناوبون بالتوافد والخروج من السوق. وفي الصباح وعند الظهيرة تتعالى في الشارع الرئيسي أصوات التلاميذ والتلميذات أثناء الذهاب وعند العودة من المدرسة. 

 كنّا نسهر حتّى الصباح، يقرع بابي أبو محمود بعد الثانية فجراً يريد سيجارة بعد أن نفدت سجائره، أذهب إلى بيت أم حميدو أستلف منها (غلوة) قهوة. أصوات تشق عتمة الليل في بيت أبي رامز لشباب يلعبون (الشَّدة)، وقرقعة نرجيلة رياض لا تهدأ، ويسترخي الهزيع الأخير على همسات امرأة مغناج تلتصق بزوجها أثناء عودتهما من زيارة لبيت قريب أو صديق.

 

أعيد صياغة المشهد

الحجر الأسود شبه خال نهاراً ومدينة أشباح ليلاً، يلف السواد أغلب بيوته ومحلاته، وركام هنا وهناك، بيوت مهجورة يجوبها الدمار والخراب، وشرفات مصدومة صامتة تحن إلى الجلبة وضجيج الأقدام. الكهرباء مقطوعة والهواتف ولا تغطية للجوالات، لا خبز ولا غاز ولا مازوت ولا بنزين.

الجرذان والفئران تقضي أجمل أيام عمرها تجول وتصول في البيوت والمحلات والشوارع تقضم ما بقي مما مونته النساء للشتاء. ولا تجفل إلا من قعقعة السلاح أو صوت انفجار هنا أو هناك، ولم تعد تنفر من رائحة البارود.

القطط في الحجر الأسود سمان جداً والغذاء متوفر، نتف من لحم البشر وأُخر من الجرذان والفئران، ومن المونة التي تلفت بعد انقطاع الكهرباء، القطط في الحجر الأسود مخيفة، أصبحت كالنمور الصغيرة.

 الكلاب مسعورة متوحشة أصبحت كالذئاب المفترسة، تملأ بطونها كل يوم من جثة إنسان أو من بقايا الأموات.

الجنازات في الحجر الأسود تمضي إلى المقبرة الكبيرة دون طقوس الاستحمام الجنائزية المعتادة، ودون كفن، ولا عويل وبكاء أو موكب عزاء، بضعة رجال أقل من عدد أصابع اليدين، وينهال التراب وتطوى الحياة ومعها الذكريات. لا خيمة للرثاء ولا قهوة مرّة، ولا قارئ يرتل القرآن. لم يعد للدموع قيمة ولا للحزن ذلك الوقع بالنفس، أصبح الجميع في موقع الآلام المألوفة، الناس في حالة هذيان يتضرعون إلى الله أن يعود الحجر كما كان، الناس يبحثون عن وسيلة يتعرفون بها على مصير الأقارب والصحب والجيران. 

النساء يهذين، والرجال في حالة نواح، والصغار يرتجفون من البرد والخوف معاً.

 

أعيد الصياغة من جديد

أستجمع شتات ذاكرتي وأحاول ترتيب أحرفي، فجأة يخفق قلبي لوعة ويدميني ما يحدث في سورية و… وتفر منّي الكلمات.

العدد 1194 - 15/04/2026