والقافلة تسير
سيبقى الجزء الأول من المقولة الشائعة رهناً بمن يستحقه، لأن بإمكان الكائنات جميعها أن تعلن مواقفها كما ترى، أو كما يرى لها أولياء أمورها، ويحق للقافلة أن تسير في الوجهة التي يختارها ربانها، وعلى السكّة التي يراها صالحة للمسير.
وحين يتناول الحديث الحقوق والواجبات فليس لنا إلاّ أن نتأمّل قليلاً، أو كثيراً بواجبات وحقوق أناس يتشاركون طريق الرحلة من أولها، وقد يستمرون إلى آخرها، وقد يخلون أمكنتهم طوعاً أو كرهاً، فقوانين الرحلة وأنظمة السير نافذة على الجميع، وعلى الجميع الالتزام بها والحرص على سيادتها لتضمن القافلة سلامتها وأمنها في طريق تحفّ به المخاطر من الجهات كلها.
وكلما كان الطريق وعراً وصعباً كانت المهمة مضاعفة للربان وللسدنة، وتكون مسؤولية أفرادها مضاعفة أيضاً، بحيث تصير الحاجة إلى الوصول الآمن أمراً لا بدّ منه، ولا بديل عنه سوى الغرق في رمال تتحرّك باستمرار لابتلاع المزيد والمزيد، وحينذاك لا بدّ من تطبيق الأنظمة والقوانين بقسوة. يخيّل للمراقب أن ذلك نوع من القمع، وفي الحقيقة ما هو إلاّ ضرورة تحتمها طبيعة الأخطار المحدقة، حين لا مجال للتراخي أو التساهل.
وحين لم يعد المصير مصير أشخاص بعينهم، وإنما مصير جمعي، يحق للجميع المطالبة بوضع حدّ للأمور، فلا يجوز ترك الحبال على غواربها، كما لا يجوز التخلّي في لحظات الخطر عن المهام الجليلة للناس كلهم. أين نحن إذاً مما يحدث الآن؟ القافلة تتأرجح أمام أخطار جمّة، وما زالت الأصوات الناشزة تبعق خارج المسارات منبئة بمآس وكوارث لن تبقي ولن تذر، محمّلة مسؤولية وعورة الطريق للربان وللسدنة، ومتجاهلة دورها وهي تمارسه على وجه مغلوط، إن لم يكن إجرامياً.
لا أحد ينكر الحق على أصحاب الأصوات المخالفة والمعترضة أن يقولوا ما يشاؤون، ويعبّروا كما يريدون. ولكن ليس من حقهم أن يسببوا الأذى، وأن يشاركوا قراصنة الطرق لتنفيذ مآربهم، فهم بذلك يسقطون عن أنفسهم الحق في المشاركة بالمهام والحقوق، لأنهم وضعوا أنفسهم في الطرف الآخر، الطرف المعادي والمعرقل لمسير قافلة تحمل بين جنباتها أمة بأكملها، وسيكون من الطبيعي قتالهم وإبعادهم عن طريق القوافل المصممة على العبور مهما كانت التضحيات، فلا مجال إلا لذلك.
نتحدث عن الحقوق والواجبات لأشخاص لا يرون في واجباتهم إلا حقوقاً أخرى ضاعت في غفلة من زمانهم، والواقع أنهم منتمون إلى زمان آخر، ومكان آخر، زمان ومكان بعيدَيْن عما كتبت الجغرافية الطبيعية والتاريخ الطبيعي، وربما وصل البعد إلى حدّ التناقض، بل العداء. وأمام هذه الحالة ستطالب القافلة وأهلها بالتخلّص من العناصر الغريبة عن جوهر الجغرافية والتاريخ، عناصر يحاولون بأصواتهم وبغيرها عرقلة الرحلة، متناسين بذلك أنهم أصبحوا النصف الأول من عبارة (….. والقافلة تسير)
ومهما كان أصحاب الأصوات الناشزة قلّة، فهم يتكاثرون كالفطريات إن لم يتم استئصالهم أولاً بأول، ولن يكون في تكاثرهم إلاّ زيادة في وعورة الطريق وصعوبة العبور. وفي هذه الحالة تصير سلامة العبور رهناً بمكافحتهم، ويصير واجب قادة القافلة العمل على ذلك من دون تكاسل أو إمهال، فهو واجب القيادة قبل حقها حين يتوقف مصير الناس على إسكات تلك الأصوات والتصدي لأصحابها. وإذا كانت قوافل التجارة تعطي الحقوق كاملة لقياداتها، فكيف يكون الأمر أمام قافلة تحمل مصير أمة بأجمعها؟
الحديث عن القافلة نتيجة طبيعية للإحساس بالوجع، الوجع الحقيقي، وقد عاناه الكثيرون في (ربيع) قوافلنا العربية، وليس الوجع الذي يتظاهرون بمعاناته، الوجع الذي ترك عشرات الآلاف من الأسر تنعى شهداءها كل يوم، وليس الوجع الصارخ من ذئاب غريبة عن هذه الأرض حين تداس رؤوسهم، وتمرّغ أنوفهم بتراب غريب عنهم، وهو يلعنهم أينما كانوا، وستلاحقهم لعناته أينما حلّوا، تراب لن يسمح لنباحهم الهزيل بإعاقة مسير القوافل المحملة بالعزّ والإباء، والضمائر الحيّة لرجال لم يعرفوا، ولن يعرفوا للهزيمة طريقاً.