بين القضاء على «داعش» واستغلال ورقتها

لم نستنكر، ولم ننكر حق الرئيس الأمريكي باراك أوباما في إبداء أقصى درجات التأثر والحزن على ذبح الصحفي الأمريكي جيمس فولي، ذبح النعاج، على يد وحوش العصر في داعش، وذلك بحكم الاعتبارات الإنسانية التي يجب أن تبقى سائدة في العلاقات بين البشر مهما كان حجم المنازعات الموجودة على سطح الأرض.. كذلك من حقه- أي الرئيس الأمريكي- أن يستنفر العالم بأسره للانتقام من قتلة هذا الصحفي، وأن يعلن أنه لا يجوز بقاء مثل هؤلاء في القرن الحادي والعشرين، وأن هذا السرطان- أي (داعش) شيء يجب استئصاله.

إن كل ذلك من حقه، ولكن ليس من حقه أن يمتنع عن الإجابة عن السؤال الذي ملأت أصداؤه العالم: لماذا لم تحرك الولايات المتحدة الأمريكية ساكناً لوقف نهر الدم الذي سال في سورية منذ أكثر من ثلاثة أعوام، ويأتي رئيسها اليوم لينتحب حزناً على شخص أمريكي واحد على يد داعش؟ ومن يصدق أن الولايات المتحدة ليست متورطة في الأزمة السورية، إن لم نقل إنها المخطط والموجه للنشاط الإرهابي الذي زرع الموت والرعب والدمار على الأرض السورية، وطال مئات الألوف من البشر؟

أليست تركيا التي تأتمر بأوامر واشنطن هي التي أدخلت من حدودها مع سورية أكثر من 200 ألف مقاتل على امتداد هذه الأعوام؟ أليست قطر والسعودية تعدان في مقدمة الدول التي موّلت بعشرات المليارات من الدولارات جيوش الداعشيين مالاً وسلاحاً وعتاداً وتدريباً، وبالتنسيق مع الولايات المتحدة من دون شك؟ ألم يثبت أن السعوديين يشكلون نسبة كبيرة من بين المرتزقة والمقاتلين؟

نعود لنقول: إن الدموع التي ذرفت على الصحفي الأمريكي المذبوح، هي دموع مشكوك بصدقيتها وإنسانيتها، ما دام الألوف المؤلفة من الشهداء السوريين لم يحظوا بكلمة تعاطف واحدة من الغرب، بل بالعكس من ذلك هم المسؤولون عن تغذية المنظمات الإرهابية التكفيرية، وعلى رأسها داعش، بل وإنشائها، وكان أول اعتراف رسمي بذلك قد صدر منذ أيام عن وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق هيلاري كلينتون، أن الولايات المتحدة وأوربا تعيشان اليوم هستيريا خطر داعش.

فهذا الوزير يعلن أنه سيدعو إلى مؤتمر لوزراء الخارجية الأوربيين اليوم قبل غد، ووزير آخر يزاود عليه بالقول إنه سيدعو إلى جانب ذلك وزراء الدفاع، وآخر يعلن أنه لن ينتظر اتضاح مواقف باقي الدول، لذلك فقد قررت حكومته المباشرة بإرسال القوات العسكرية إلى الشرق الأوسط فوراً. وقد اضطربت حركة الطيران المدني في بلدان العالم، وتزايدت هجرة عشرات الألوف من العائلات من الشرق إلى الغرب، ويعيش العالم الآن حالة من الذهول والترقب ليحاول فك ألغاز المرحلة القادمة.. وليتساءل حقاً: هل ستتحرك القوات العسكرية الأمريكية صوب المنطقة لتقضي على (داعش) في العراق، أم ستمد نشاطها القتالي إلى سورية لاحقاً؟

وهل الهدف الحقيقي هو تنظيف المنطقة من (داعش) فعلاً، أم استغلال قوتها لخلق حالة من الرعب بين دول المنطقة وشعوبها، لجعلها تقبل بكل ما تقوم به الإدارة الأمريكية من تصفية حسابات مع الأنظمة والقوى الوطنية العربية، إلى استقدام قوات غربية إلى المنطقة وإقامة قواعد عسكرية فيها من جديد، أم ستكتفي في المرحلة القادمة بتثبيت دعائم استقلال كردستان ووضع اليد على نفطه؟

وغير بعيد عن كل ذلك  عقد اجتماع خماسي لوزراء مجموعة الاتصال العربية، لبحث ما سمي الأزمة السورية، بغياب سورية، وتنامي خطر الإرهاب، والتصريحات التي صدرت بالأمس عن الرئيس المصري السيسي، وأعلن فيها أنه سيقف ضد تقسيم سورية، وبالمقابل هناك تصريح سعد الحريري الذي أعلن فيه تخليه عن مهمة إسقاط النظام السوري.

بالطبع لا يمكن الإجابة عن كل التساؤلات الآن، ولكن من المؤكد أننا أمام مرحلة جديدة ستختلط فيها الأوراق، وتتشابك وتتناقض المخططات والاستهدافات الخارجية والداخلية، وقد تتعقد لوحة التحالفات، الأمر الذي يدعو إلى اليقظة، لأن المخططات الإمبريالية والصهيونية ماتزال الأقوى في المنطقة.

لكن، وكما أثبتت التجارب، فإن الشعوب العربية تمتلك طاقة كبيرة ومقدرة على إحباط تلك المخططات، وما استعصى على الغرب أخذه من سورية بواسطة العنف التفكيري أو عملاء الخارج، لن يستطيعوا الحصول عليه بالمناورات والألاعيب الخادعة.

العدد 1188 - 25/02/2026