وجهان وثلاثة أبعاد

أصبح (داعش) وما يقوم به هذا التنظيم الدموي، الهمجي، المتطرّف، الذي يتصف بالعنف، ويمارس أبشع أساليب القتل من (قطع الرؤوس بالسواطير.. التهجير القسري.. ذبح الناس أمام الكاميرات.. نشر أكثر من 3000 فيلم عبر الشبكة العنكبوتية لبث الرعب بين عناصره وبين الناس)، هو التنظيم الأكثر دموية في العالم في التاريخ المعاصر.

لقد رافق تطورَ الأحداث في سورية والعراق، واتساع رقعة المعارك في القطرين العربيين، تبدلاتٌ سياسية (أمريكية – أوربية) وتغيرات ميدانية في أرض المعارك التي يخوضها الجيشان (السوري والعراقي)، خاصة بعد الانتصارات التي حققها الجيش السوري الباسل في الغوطة الشرقية وفي الطبقة ودير الزور وغيرها. والمصالحات التي مهّدت الطريق لإيقاف القتال وعودة الأهالي إلى بيوتهم، والتي أدت إلى إيقاف نزيف الدماء في مناطق عدة، رغم العراقيل والصعوبات والنكسات ومعارضة بعض الأجنحة المسلحة الظلامية – التكفيرية.

إن الولايات المتحدة وحليفتها أوربا العجوز المتصابية، بدأت تبدّل (عُمْلتها السياسية) وتمارس سياسة الأبعاد الثلاثة (الأفقي والشاقولي والزمني)، فهي من جهة لن توقف دعمها المادي والسياسي للمسلحين الذين تسميهم (المعارضة المعتدلة)، ومن جهة ثانية بدأت تشكل سنداً جوياً للبرزاني، باعتبار كردستان خطاً أحمر لا تسمح لـ (داعش وغيره الاقتراب من أربيل). وهذا الموقف الأمريكي – الأوربي الجديد، لم يأتِ عن عبث، بل كان نتيجة واضحة لفشل سياسة البيت الأبيض وباريس ولندن في تحقيق أهدافها التكتيكية والاستراتيجية، في تقسيم العالم العربي وتجزئته إلى دويلات وكانتونات من جهة ثالثة.

لقد أفرزت الأزمة في الشرق الأوسط، بمقدماتها وأحداثها ونتائجها التي لم تنتهِ بعد، قضايا إقليمية ودولية. وأدت إلى حدوث اصطفافات جديدة، لمواجهة تنظيم (الدولة الإسلامية) الذي بدأ يهدد الدول المجاورة وأوربا والولايات المتحدة وغيرها.

وجهان لعملة واحدة: فمن جهة دعا الاتحاد الأوربي الدول المجاورة للعراق، والشركاء الآخرين لزيادة التعاون وتطوير إجراءات ملموسة لإيجاد حل طويل الأمد للأزمة الراهنة، ومحاربة التهديد الإرهابي المشترك والحفاظ على عراق موحد ديمقراطي. ومن جهة ثانية استمر العداء لسورية والاحتفاظ بشعار إسقاط الدولة السورية، وهو الشعار الذي ما تزال بريطانيا وفرنسا تحتفظان به لتنفيذه كما تحلمان في الوقت المناسب. ولكن كما يقال (تجري الرياح بما لا تشتهي الُّسفن) وأن (يبلاَّ شعارهما ويشربا ماءه). فالولايات المتحدة، حسب مجلة (الإيكونوميست)، حثَّت زعماء الدول الغربية قاطبة على ضرورة تهيئة الرأي العام في بلدانهم لخوض عمليات عسكرية طويلة الأمد. وتزامنت هذه الدعوة مع

إعلان أوباما شن غارات جوية في العراق، وتوزيع منشورات باللغة الإنكليزية في لندن وقرب السفارة الأمريكية، وفي شارع أكسفورد وبالقرب من حديقة هايد بارك، مبشّرة بقيام الخلافة الإسلامية، داعية الجمهور إلى شدّ الرحال والهجرة إلى هناك. ويعتبر هذا تهديداً مباشراً للمصالح الأمريكية الممثلة في امتيازات شركاتها النفطية واستثماراتها الضخمة في كردستان. وفي المقابل كتب ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني في صحيفة (تلغراف): إنَّ ثمَّة ضرورة لأن تتعاون بريطانيا مع دول مثل السعودية وقطر ومصر وتركيا، وحتى مع إيران لمواجهة خطر التنظيم المتشدّد..!

السؤال: من يضمن عدم استغلال القرار الأمريكي التدخل في العراق وضرب (داعش)، ليشكل خطوة تمهيدية للعدوان على سورية؟

لقد أعلنت واشنطن نواياها السيئة، وهي لم تخجل مرة واحدة في التعبير عن سياستها الخبيثة، بأن الضربات الجوية التي تنفذها في شمال العراق غير كافية. وأنَّ هزيمة تنظيم الدولة المتشدد تتطلب ضربه في سورية. وانتشر خبر منذ أيام بأن الطائرات الأمريكية ضربت (داعش) في الرقة، لكن الحكومة السورية كذَّبت الخبر. وبدأت الولايات المتحدة تأخذ الاحتياطات والحذر من أن تطول سواطير الإرهابيين رؤوسهم. ورأى وزير الدفاع الأمريكي أن الولايات المتحدة تبحث في جميع الخيارات المتاحة للتعامل مع (داعش). وأكَّد أنها تعمل على رسم استراتيجية طويلة المدى لمواجهة هذا التنظيم، ورأى أنه أخطر بكثير من تنظيم القاعدة!

العدد 1188 - 25/02/2026