لعنات الحروب المزمنة والحالية

الحروب بكل أشكالها وصنوفها، كوارث بشرية، ابتُلي بها العالم منذ القديم وفي العصور الحديثة، ومهما مرّ عليها من الزمن، تبقى لها تداعياتها المؤلمة على مختلف الصعد بشرياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، مع العلم- وكما يعرف الجميع أنها مخطط لها من قبل دوائر وجهات لا همّ لها إلا تحقيق التوسع والمصالح الشخصية الضيقة على حساب الشعوب.

مناسبة هذا الكلام هو ما نشرته بعض الصحف الأجنبية مؤخراً في الغرب، وعلى سبيل المثال تحدثت إحدى الصحف الألمانية عن أن الشرطة في ألمانيا تتوقع وجود أكثر من 4000 قنبلة وقذيفة مدفعية تعود إلى الحرب العالمية الثانية مدفونة تحت الأرض في برلين وحدها، أما حجم القنابل والمقذوفات الكامنة في بقية أنحاء ألمانيا وبقية دول العالم فعددها مجهول حتى الآن، ومازالت تُكتشف بعد 70 عاماً من انتهاء تلك الحرب الكونية، وتتوقع مراصد الخبراء المهتمة بهذا الشأن أن فاعلية تلك القنابل تعمّر قروناً تحت الأرض، وقد تًصيب أهدافاً بشرية عن طريق الصدفة.

والجدير بالذكر أن القنابل المدفونة لا تعود إلى الحرب العالمية الثانية فحسب، بل إن بعضها يعود إلى الحرب العالمية الأولى، وفي الدول العربية تعج الأراضي الجزائرية والتونسية والليبية والمصرية بأطنان من الألغام والقنابل في المناطق التي كانت مسرحاً للحرب بين دول المحور والحلفاء في حروب التحرير من الاستعمار، وفي دول المواجهة مع العدو الصهيوني، مازالت مناطق سيناء والجولان ولبنان مفخخة. أما في العراق فهناك قصة أخرى في هذا البلد المنكوب، فإضافة إلى مخلفات الحرب التي شنها صدام حسين ضد إيران بضوء أخضر أمريكي، هناك عدد مجهول من القذائف المشعة باليورانيوم المنضّب بسبب الغزو الأمريكي للعراق، تشكل خطراً كبيراً على الجيل الحالي والأجيال القادمة لقرون، وحتى في الحرب التي اندلعت في  العراق بعد غزوه، ظلت عمليات طمر الذخائر المهددة سارية ولم تنته إلى اليوم، لاسيما بعد اجتياح داعش للأراضي العراقية في الموصل وغيرها.

إن ما يمكن قوله ورصده من جرد هذه الوقائع غير القابلة للإحصاء والجرد أصلاً، أن الحروب قد تضع أوزارها في لحظة زمنية محددة، وتفرز على أرض الواقع منتصرين ومنهزمين، إلا أن (لعنات) تلك الحروب تستمر بعد ذلك زمناً طويلاً لتحصد أرواح الأبرياء سنوياً، وتقول أكثر الإحصائيات تواضعاً أن نحو 2000 شخص سنوياً كانوا ضحايا انفجارات القنابل والألغام المدفونة، رغم ما تقوم به بعض الدول من حملات توعية مكثفة وبعمليات تأمين للمناطق المرزوعة أو المشبوهة بوجود ألغام وقنابل مدفونة فيها.. هذا وقد ترتفع حصيلة الضحايا أكثر فأكثر إذا ضعفت عمليات الرقابة والرصد، خاصة في بعض الدول التي تعاني من انهيارات أمنية وتحلل أو ضعف للسلطة، مثلما هو الحال في ليبيا واليمن والعراق ولبنان، كذلك لمخلفات الحروب القديمة منها والجديدة مخاطر تسهم في إشعال حروب جديدة، إذ تؤكد كثيراً من التقارير أن المجموعات الإرهابية المسلحة التي باتت تنتشر كالفطر في مناطق مختلفة، وجدت في مخلفات المعارك مصدراً للتزود بالذخيرة، وقد ثبت هذا الأمر في سيناء المصرية وليبيا والجزائر، حيث عمدت تلك المجموعات والميليشيات المسلحة إلى تشكيل ما أسمته (خلايا تنقيب) للبحث عن القنابل والألغام لإعادة استخدامها من جديد في عمليات القتل والتخريب والإجرام التي تقوم بها.

وأثبتت التجارب على أرض الواقع أن تلك الأسلحة كانت شديدة الفتك، لاسيما إذا تمت إعادة تصفيتها، وأضيفت إليها مواد شديدة الانفجار مثل مادة (تي. إن. تي)، وقد فوجئ كثير من الخبراء العسكريين، بل صعقوا لهول بعض التفجيرات الإرهابية، فقد تبين أن دمارها عائد إلى ذخائر الحروب القديمة.

وهكذا نخلص إلى القول بأن الوقائع والحوادث الكثيرة تؤكد أن مخاطر الحروب لا تتوقف عند الألغام الخفية والقنابل والذخائر الأخرى المدفونة في باطن الأرض، بل تتعداها إلى أبعاد أخرى، وهذا مايجب أن يُرتب على المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة وغيرها مسؤولية أن تُلزم الدول المتلكئة بضرورة كشف خرائط الألغام حتى تتمكن البلدان المعرضة للتهديد من إزالة المخاطر، ومثلما سيحفظ هذا التحرك أرواح المئات ممن يموتون بالصدفة بسبب هذه الذخائر المدفونة، فإن هذا التحرك سيساهم في حماية أرواح الآلاف الآخرين من القتل في أعمال إرهابية تعود بعض ذخائرها إلى الحرب العالمية  الثانية والحروب التي اندلعت بعدها.

العدد 1195 - 23/04/2026