قطارات باتجاهات متعاكسة
أرصفة الأحلام عندما تغص بالمسافرين في قطارات الأحلام، فنحن أكثر شعوب الأرض توقاً للأماني، وقطارات الليل العابرة فوق وسائد التخيلات والسكينة، والتي تحمل مسافريها إلى حيث المتع والصبابات الدافئة عبر تلك المساءات الندية المتخيلة في ظنون أرهقتها نهارات التعب، وقساوة الحياة البائسة.. البشعة، المثقلة بالهموم، والآهات الجارحة! تمضي القطارات، وتصحو الوسائد على شهقة دمعة خفية تلفظ آخر احتمالات فرحها الطارئ مع طلة ضوء صباح.
آخر من صباحات الهم، والغم، ومقارعة الحياة الغاشمة بهمومها وعذاباتها القاسية! دمعة ابتسامة خفية تلازم الحالم أمداً طويلاً من الزمان، لا تغادره إلا عندما تخلفها دمعة أخرى حالمة على وسادة من قشٍّ، أو طين، أو رهافة صخرة يحسها الحالمون أنعم من الحرير، وأطرى من ريش نعامة، ولكن.. هيهات.. فشعورنا بأحلامنا.. كثقتنا بحياتنا المستحيلة المهمومة إلى حد الجنون، والمستحيل! نمضي أكثر العمر ونحن نحلم، فما أكثر المحطات التي تغصّ بالمغادرين إلى فردوس التمنيات البعيدة، بُعْدَ الحقيقة عن الخيال المترف بالتصورات؟! ما أقسى الأرصفة التي ينام عليها المتعبون من صبابات تلك النشوة العابرة، فإذا ما صحوا بغتة وجدوا نصف العمر مضى في قطارات الأحلام، ونشوة وسائد الليل المثقلة بمتع الوهم، والتصورات الطارئة؟! نصحو ثانية، فنعتب على قطارات أحلامنا أنها قذفتنا بعيداً خارج الحياة، وذهبت بالجزء الأجمل من الحياة المفترض أنها جميلة، لقد كان مفترضاً أن نمضي جزءاً من ذلك العمر في متع العشق، والوجد، والوَلَه، عبر قطارات تكمل رحلة القطارات الأولى إلى السعادة، وبحبوحة العيش الحالم. ولكننا نكمل رحلة القطارات التالية، ونحن موجعون، ومتعبون، ومثقلون بالعثرات، والآه، وسواد وكآبة ما حولنا، وما يحيط بنا من لهاث التفاصيل الغاشمة؟!
قطارات الصبابات عاجلاً تمر، وتمضي، ونحن على وجع القطارات المتعبة نادمون على ضياع حلاوة العمر بين قطارات الأحلام، وقطارات الوله المجنون، ثم تمر بنا قطارات المرحلة التالية، قطارات الزواج، وقد قطعنا الشوط الأطول من العمر، قطارات تحمل ذلك الثنائي المستهلك طاقة وعمراً، فالرجل قيمة مستهلكة تماماً، والمرأة على وشك الاستهلاك. ولولا بذرة زرعاها في رحم الحياة عبر طفولة صاخبة جميلة محببة لما كان للحياة طعم، والمتع المشاركة في جماليات الكينونة المفروضة بصلابة التعبير على كائنات الحياة، ولكنه القدر الذي صاغ ولخّص وجودنا بذلك البيت من الشعر:
مشيناها خُطاً كُتبت عليْنا
ومَنْ كُتبتْ عليهِ خُطاً مشاها
هذا البيت من الشعر تستقبلنا به تلك اللوحة المعلقة على بوابات قطار العمر الأخير، والذي نختتم به رحلة القطارات جميعها: فبين قطار الأحلام والأمنيات، وقطار النهارات لحظة خاطفة تشعرنا، رغم طول الرحلة، بقصرها المُباغت، ولعل لحظات الحياة الجميلة الطارئة مثبتة فوق شاهدات الراحلين كالآتي:
هذا عاش 3 أيام، وذاك سنة، وذاك عاش شهراً، وذاك أسبوعاً. والذي خلا عمره من لحظة سعادة مكتوب على شاهدة قبره: من غصّة العمر إلى غصة القبر.
استثناء وعابر لم يتسع له مقعد في قطار عابر من قطارات الحياة على سكك متضادة الاتجاهات؟!