«الناتو» يضم الجامعة العربية

لو قلنا إن (الجامعة العربية تنضم إلى الناتو)، لكانت هناك شبهة إرادة فاعلة لدى الجامعة العربية، وقرار نافذ منها بأن تنضم إلى (حلف الأطلسي). وهذا أبعد ما يكون عن تصورنا، بل أبعد ما يكون عن الواقع.
أثبتت الجامعة العربية في السنوات الأخيرة عجزها الكامل عن أن تتخذ قراراً مستقلاً، خاصة إذا كان ذلك بإزاء (حلف الأطلسي). وقد ضمها هذا الحلف إليه جزئياً بضم عدد من الدول العربية إليه بصفة منتسبين. وكان من الطبيعي أن يبدأ ببلدان الخليج الثرية النفطية، بل إنه بدأ بأكثرها ثراءً، ثم عرج على أكثرها أهمية جغرافية وسياسية وتاريخية، منذ أن أصبحت تمشي في ذيل البلدان الخليجية النفطية بزعامة السعودية، ثم في ظل التنافس على الزعامة العربية بين السعودية وقطر. أو لعلنا نقول  احتراساً – في ظل التنافس بين قطر والسعودية على الزعامة العربية والنفطية والإسلامية وما قد يستجد بعد هذا كله. وتدل المؤشرات إلى تقدم قطر على السعودية في هذه المنافسة، كما تدل على تراجع السعودية لاعتبارات داخلية، وربما لاعتبارات أمريكية.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نكون مخطئين في قولنا إن ال(ناتو) قد ضم الجامعة العربية إلى صفوفه. فقد سبق أن اختبرها واختبر انتماءها إليه، عندما دعاها إلى التدخل العسكري في (ثورة) ليبيا. فلبت بلا تردد، وتدخلت إلى جوار قوات (حلف الأطلسي) وقياداته ونجح الجميع معاً في تحقيق الهدف الذي رسمته الولايات المتحدة، القائد الفعلي لقوات (حلف الأطلسي) قبل توسيعه وبعد توسيعه، وهو نصرة الثورة الليبية وهزيمة نظامها الطغياني. وهكذا أصبح واضحاً أن (حلف الأطلسي) بقياداته وقواته العسكرية هو قائد حركات التحرر في شرق (العالم العربي) وغربه. وزاد الأمر وضوحاً عندما عمد (حلف الأطلسي)  بمساندة مالية ولوجستية من الأعضاء المنتسبين العرب  إلى تسليح التنظيمات المتطرفة الآتية من أواسط آسيا ومن صعيد مصر ودلتاها ومن سواحل ليبيا للتصدي لمهمة (الأطلسي) الجديدة، وهي التخلص من النظام السوري. إن التخلص من النظام السوري هو المشروع العسكري والاستراتيجي والسياسي الأهم لتحقيق استتباب أمور (العالم العربي) تحت القيادة الأطلسية – الأمريكية. أما إن الجامعة العربية تقدمت خطوة أوسع كثيراً نحو تأكيد هيمنة (حلف الأطلسي) على المنطقة العربية بعد أن ضمها الحلف إليه، فإن هذه الخطوة العريضة اتضحت في ذروة الصراع الذي تموله قوى الأطلسي العربية القادرة على التمويل والتسليح، وذلك عندما استطاعت هذه الدول أن تفرض على مؤتمر جامعة الدول العربية مجتمعة، اتخاذ قرار بمنح مقعد سورية في الجامعة للتنظيمات التي يسلحها ويدربها حلف الأطلسي  أساساً في أراضي تركيا، الدولة المسلمة الوحيدة التي تتمتع منذ سنوات طويلة بعضوية حلف الأطلسي. ولكنها لم تستطع طوال السنوات نفسها أن تجعل نفسها مقبولة في عضوية أوربا. فشلت في الانضمام للسوق الأوربية المشتركة، وتفشل الآن في الانضمام إلى الاتحاد الأوربي.
الذين يعترضون على قرار جامعة الدول العربية بمنح مقعد سورية في هذه الجامعة إلى القوى الخارجية التي تمثل المعارضة في القتال التدميري الدائر في سورية، إنما يستندون في هذا الاعتراض على حقيقة أن القانون الدولي لا يسمح لأي من دول العالم بأن تنحاز لطرف ضد الطرف الآخر في نزاع داخلي. ترى من الذي يعترض على هذا الموقف؟ إنها دولة روسيا وكذلك الصين وبالمثل إيران وبعض دول أمريكا اللاتينية. وما أهمية كل هذه الدول مجتمعة؟ إن باستطاعة كل من روسيا والصين أن تستخدما حق (الفيتو) في مجلس الأمن لمنع أي قرار يساند القوى الأجنبية التي تحارب النظام السوري. لكن ما دخل مجلس الأمن في حالة جامعة الدول العربية.
إن جامعة الدول العربية مسلحة بإرادة منظمة (حلف الأطلسي) تستطيع أن تتدخل في الشأن السوري وفي القتال الدائر في سورية كيفما شاءت، ولأي غرض رمت. أليس (حلف الأطلسي) قادراً وراضياً عن سير الأمور وعن الدور العربي في الصراع على سورية؟ هذا هو ما يهم.
الأهم من هذا كله أن قادة الدول العربية الأطلسية لم يتنبهوا إلى حقيقة أن حلف الأطلسي بقيادته العسكرية الأمريكية العليا لن يتردد في أن يكرر في كل بلد من بلدان الخليج الثرية النفطية السلوك نفسه الذي اتبعه في ليبيا حتى أوصلها إلى ما هي فيه الآن من تخبط، والسلوك نفسه الذي يتبعه في سورية الآن. كل ما هو مطلوب لينفذ القادة العسكريون الأطلسيون هذه الأوامر هو وجود خطة أمريكية موازية.
اتضح بهذا السلوك من جانب الجامعة العربية في القمة العربية الرابعة والعشرين، التي انعقدت في الدوحة القطرية قبل أسبوع واحد، السبب الذي من أجله أطلقوا على القوى الأجنبية التي تحارب النظام السوري، بدعوة صريحة من الغرب الأطلسي، السبب في إطلاق تسمية المعارضة على هذه القوى، على سبيل الاختصار. إنها المعارضة إذاً ولا سبيل إلى نسيان ذلك. من يمكن أن يتصور أن يؤدي هذا القرار بمنح مقعد سورية لمقاتلي الأطلسي الأجانب، الذين جندوا ويسلحون ويدربون من أجل تمزيق سورية ولا هدف آخر لهم، إلى تقريب الحل السلمي لأزمة سورية. من قال إن المسعى الأساسي هو لإيجاد حل سياسي لهذه الأزمة الكارثية؟
لقد أخذ الحل السياسي السلمي في كل اتجاه ولهذا تمزق ويبدو ممزقاً، حتى لعيون أولئك الذين يتطلعون إليه ولا يرون بديلا. أما أولئك الذين يختارون الحل السلمي لأزمة سورية، مدركين أنهم يمزقونه عن عمد، بأنفسهم، في كل مرة يدفعون بأسلحتهم إلى الأراضي السورية وبأموالهم إلى جيوب (القادة) الذين أجلستهم الجامعة العربية في مقاعد سورية على مائدة الجامعة. لهذا يقول السفير أحمد بن حلّي، الأمين العام المساعد للجامعة العربية، إنه (بالنسبة للجامعة العربية ما زال الحل السياسي هو الحل الوحيد والسليم لمعالجة الأزمة السورية وإنهاء مأساة الشعب السوري). فهل قصد الحلي بالفعل الحل السلمي أو الأطلسي؟ إنه يضيف أن مَن منح المعارضة مقعد سورية سوف يستمر في جهود الحل السلمي… مع ضرورة إسراع المعارضة إلى توسيع دائرة التمثيل والاستيعاب لكل القوى والتيارات والاتجاهات لكي تجسد الواقع داخل سورية، وأن يشارك كل مَن بالداخل في الائتلاف (المعارض).
لم تعد الجامعة العربية التي يتحدث عنها الحلي ما كانت قبل أن يهيمن عليها الأعضاء المنتسبون إلى (حلف الأطلسي). وإذا جاء ذكر الجامعة العربية  خاصة بعد هذا القرار الخطير بمنح المعارضة مقعد سورية، فإننا ينبغي أن نكون واعين لحقيقة انتماء الجامعة العربية في عضوياتها الأكثر ثراءً وأكثرها استجابة للنشاط العسكري الموجه من الغرب، وبصفة خاصة من الولايات المتحدة، إلى حلف الأطلسي. وصحيح أن هذا الانتماء لا يمنح لهذه الدول أعضاء الجامعة العربية أية امتيازات في التصويت وبدون التصويت داخل الحلف الأطلسي، إلا أن الدول التي حصلت على عضوية الانتساب إلى حلف الأطلسي تدرك جيداً أنها لن تستطيع القيام بأي دور يخرج عن ما يرسمه الحلف وقيادته السياسية والعسكرية  أي القيادة الأمريكية  لدوره الآخذ في الاتساع عالمياً ابتداءً من التوسع في المنطقة، التي يطلق عليها الأمريكيون منذ سنوات تزيد على العشر في كتاباتهم الرسمية اسم (الشرق الأدنى والشمال العربي الإفريقي).
الآن أصبح من واجب كل إنسان عربي أن يعي أن (ظاهرة الاختراق الأجنبي) للجامعة العربية ظلت ملازمة لوجود الجامعة منذ نشأتها الأولى. لكن هذه الظاهرة لم تبلغ مستوى التغلغل الذي بلغته في الفترة الأخيرة التي تلازمت مع انفراد (حلف الأطلسي) تحت التوجيه الأمريكي، خاصة بالنفوذ الاستراتيجي والعسكري والسياسي، بالتوسع الجغرافي على حساب الدول التي اختارها الحلف في أوربا نتيجة انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي، وعلى حساب الدول التي اختارها الحلف في منطقة الخليج النفطية العربية وفي الشمال العربي – الإفريقي. وقد تلازم هذا التوسع مع توغل النفوذ الأمريكي في المنطقة العربية بصفة خاصة كنتيجة مباشرة لما أسمي بأحداث (الربيع العربي). لقد وفر (الربيع العربي) للغرب كل الفرص اللازمة لفرض هيمنة أكيدة على دول النفط الخليجية وعلى مصر وليبيا وتونس والمغرب العربي كله. ولا تكاد تبدو في الصورة ملامح مقاومة لهذه السيطرة.
لكل هذه الأسباب مجتمعة فإن متابعة ما يجري من صراع في مصر له أوّلية قصوى على كل ما عداه، لمعرفة ما إذا كانت الولايات المتحدة ستجبر مصر تحت حكم (الإخوان المسلمين) على قبول ما تمليه الولايات المتحدة على (العالم العربي)، أم أنها ستجد نفسها مضطرة للتخلي عن الإخوان. وهنا يصبح السؤال: لمصلحة من؟

عن «السفير»

العدد 1140 - 22/01/2025