الدمعة التي توشك أن؟؟!
والدمعة التي لم تنفجر، أو أوشكت، غابت بعيداً في العين لتتحجر هناك على مشاهد لم يستطع العقل أن يستوعبها، ولا الوعي أن يحتملها، ولا الضمير أن يقبلها؟!
تمر المشاهد في المرويات التي تتناقلها الألسن والروايات على الأسماع وكأنها شيء من الخرافة، والمستحيل، أوشيء لا يمكن أن يخطر على بال، أنه حقيقة واقع، وحاصل، في زمن تجاوز فيه الآخرون عام الفلك الذي نعيش فوقه، إلى كينونات غاية في البعد والمتخيل حيث التقنية تطرق أبواب المجرات، والكواكب المتناثرة هناك في قبة السماء القصية، ونحن في نزاعنا القبلي المقيت، وكأننا.. خارج التاريخ، وخارج الحياة، وخارج الكينونة الإنسانية التي تسعى لإنشاء منظومة خلاقة فوق تراب هذا الفلك الكوني والموجع بالفوضى والخراب، منظومة بناءة لقيادة العالم باتجاه الخير والنور والحرية، ولكن أصابع الشر ستظل هي الأعتى والأقوى في قيادة العالم إلى فردوس الجحيم، يقتنع فيه البلهاء والبسطاء، والسذّج من البشر بأن القمم العالية البعيدة هي ملفى الريح، والغمام، والنجوم، ملفى الخيال والمتخيل، ملفى الذين يحلمون، ويحلّقون ضمن تصوراتهم النائية للغياب البعيد، بينما القيمة المثلى للحياة هي في العيش.. ضمن المطحنة التي تطحن الجميع مساوية بينهم في الهاوية؟!
لقد كتب علينا أن نكون نحن أبنا الطراوة والنداوة، وأن نكون عشاق العشب الأخضر الندي الطري، تميل بنا الريح، فنميل، وتبكينا الذكريات فنبكي، ويذيبنا جمر المواقد فنذوب حولها غائبين.. مغيبين.. مسحورين.. مأخذوين بسحر الناي والشبّابة والربابة؟! نحن الغائبين مئات الأعوام عن الحياة، والغائبين مئات الأعوام عن التقنية والتكنيك، والمتقدمين عن غيرنا في المستهلكات مئات الأعوام، وبغتة نصحو على انكسار الدمعة على سياج منفاها الجديد، وانكسار الحلم على وسائد الأسى والبكاء، وانكسار الأصوات المغلولة بالغصة والحشرجة حين تذهب في سردها للمشاهد الدامية، والمواجع إلى أقصى حدود الموجعات المرعبة! لقد وضع لنا الآخرون خريطة الربيع العربي وفق الصياغات، والرؤى، والتفاصيل التي تناسب ما تستوعبه حدقات عيوننا، عندما نرى البياض في الشاهدات نهاراً فاقع البياض، وعندما نرى الطفولة تجاوزت طفولتها المبكرة إلى صبا، ثقافة الشوارع والمقاهي والأراكيل التي أنتجت نوعاً من الأجيال لا مثيل له في تاريخ الحقب والعصور، وعندما ما نرى ربيعاً ضارياً.. أحمر.. موجعاً.. لا علاقة له بالخضار، وصخب الأنهار، ولا علاقة له باللوز، والفسحات العائلية، على ضفاف بردى، ولا علاقة له بالحور والكباد والياسمين، ذاك الربيع الذي أغرق التراب بالدم، وأغرق العيون: بالدهشة والبكاء، وأغرق وطننا بالفوضى والموت والخراب!
والخراب المجتمعي هو الكارثة! وعلة العلل!
هامش
إلى (أ و) حيث مباغته اللقاء المذهلة، والموجعة حد البكاء دماً حادّ الحرارة بدل الدموع التي تجمدت في الحدقات كزمهرير كوانين العواصف!
شبحان هاربان من الفاجعة، لا يصدق العقل ما يسمع، ولا تصدق العين ما تشاهد، ولا يستوعب الوعي ما لا يعقل، وغير مقبول؟! وعندما تتخلى الإنسانية عن إنسانيتها، فإن التضادات كافة التي تمثل الوجه الأبشع للبشرية، والتي تعكس ضراوة الجوهر المنخور خلف ابتسامة المظهر الخادعة والمزيفة، ستكشف لنا ضراوة المحنة التي نعيشها، والتي تتمثل في انهيار القيم الاجتماعية، وموت ما نسميه صلة الدم والرحم، بحيث ما كان، وما عشناه اليوم، سيظل وجع الذاكرة إلى الممات، وغرابة الواقع إلى الأبد، وإذا لم تعد بيننا الألفة، والمحبة، والتعاضد حد التلاحم وإعادة الانصهار في بوتقة العائلة الواحدة المحصنة بالحب والدفء، واستعادة الوعي الغائب، واللحمة المشتركة، فإننا على سكة الندامة سنبقى راكضين بلا فرملة، وحتى نعاود المسار الصحيح على سكة السلامة، فإن علينا أن تعصف بنا العاصفة، لكي نصحو من جديد، قبل أن يفوت الأوان لذلك المستحيل الممكن؟!