«الربيع العربي» بين النموذج التركي والدور القطري

هل كان الربيع العربي تتويجاً لتحالف غير مقدس بين الإخوان المسلمين وإمارات الخليج النفطية وحزب العدالة والتنمية التركي، بمباركة ورعاية وكالة المخابرات الأمريكية؟… فإن كانت هناك ظلالٌ سود وشكوك حول حجم التعاون ومستوى التعاون ودرجة العلاقة بين أمراء بعض الدول الخليجية والتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، فإن العلاقة بين هذا التنظيم وإمارة قطر تنحو منحى التحالف الاستراتيجي، لأن هذه الإمارة لا تملك جيشاً كبيراً ولا تقاليد ديبلوماسية عريقة ولا جواسيس أكفاء، لكن القائمين على أمورها يعتقدون أن بإمكانهم استخدام قوتهم الناعمة المرتكزة على قناة الجزيرة وبرامجها من الناحية السياسية، والاعتماد على الاتحاد الدولي لعلماء المسلمين برئاسة الشيخ القرضاوي من الناحية الدينية. هذه القوة الناعمة استُخدِمت لدعم مخططات الإخوان المسلمين في البلدان العربية، دون أن نُغفِل العامل الأهم وهو رصيدهم الكبير من العملة الخضراء التي لها مفعول السحر والترياق الشافي عند ذوي النفوس الضعيفة من وجهاء وزعامات وشيوخ وشخصيات عامة في المجتمعات العربية.

أما إمارات الخليج التي هي قواعد للقوات العسكرية الأمريكية، فقد بات مشايخها يحاضرون بالديمقراطية وحقوق الإنسان. مع أن بلادهم تفتقد لأبسط أنواع الحريات. هؤلاء المشايخ والأمراء أصبحوا رأس الحربة الأمريكية في حرب استعمارية جديدة تُخاض بالوكالة كي يقتل العرب بعضهم بعضاً، بهدف استنزاف محور الممانعة ومن ثم القضاء على الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أرض بلاد الشام، لأسباب عقائدية دينية لشيوخ الخليج واستراتيجية للغرب، على أمل الوصول إلى آسيا الوسطى حيث روسيا والصين العدوَّان التقليديان للإمبراطورية الغربية. هذا عن الدور الخليجي عموماً والقطري خصوصاً، فماذا عن الدور التركي؟

في ظل الأزمة السياسية التي أصابت المنطقة بدأت أهمية تركيا بالبروز شيئاً فشيئاً، ذلك أن الغرب، كتعويض عن عدم قبوله بأنقرة عضواً كاملاً في الاتحاد الأوربي، سمح لتركيا العلمانية ذات الخلفية الإسلامية والمنتمية إلى حلف شمال الأطلسي، بأن تصبح المثال والنموذج للحكومات ذات الطابع الإسلامي التي وصلت إلى الحكم في دول الربيع العربي. لكن ما هو النموذج التركي وهل يصلح للبلدان العربية؟

قد يستغرب الكثيرون عندما يعلمون أن من وضع الأسس الأولى للنموذج التركي هو مصطفى كمال باشا مؤسس الدولة التركية الحديثة، الذي وضع نظاماً علمانياً يقوم على فصل الدين عن الدولة، في مقابل تعميق النزعة القومية التركية ووضعها فوق كل اعتبار. هذا النموذج الذي يحاول حزب العدالة والتنمية التركي مقاربته الآن مع إضفاء نوع من المسحة الدينية الصوفية التي ارتكزت على تعاليم وأفكار جلال الدين الرومي وأستاذه شمس الدين تبريزي الإنسانية والأخلاقية لمخاطبة مشاعر عموم سكان المشرق العربي الذين يتلاقون مذهبياً مع أعضاء حزب العدالة والتنمية، ولمحاولة تلطيف وتلميع الصورة السوداء للعثمانيين لدى القوميين العرب وباقي الأقليات القومية والمذهبية في المنطقة.

في خطاب وجّهه مصطفى كمال للأتراك في تشرين الأول 1927 وضع فيه مبادئ وقواعد القوة الناعمة التركية، قال فيه (عندما نتحدث عن الحرب، لا نعني فقط جيشين، وإنما (بالأساس) دولتين في مواجهة مباشرة، تتقاتلان إحداهما ضد الأخرى، بكل كيانهما وبكل ما أوتيا من موارد، مادية وروحية. ولهذا السبب، عليّ أن أجذب الأمة التركية بأسرها إلى أفكاري وآرائي وأفعالي بالصورة نفسها التي فعلتها مع الجيش في الجبهة).

 هذه السياسة طوّرها منظرو حزب العدالة والتنمية عندما وضع أحمد داود أوغلو مبدأ (القوس المشدود والسهم المندفع) الذي ينص على المبدأ البسيط التالي: كلما شُد وتر القوس إلى الوراء اندفع السهم بقوة وثبات نحو هدفه. هذا المبدأ الاستراتيجي يهدف إلى تحقيق هدفين: الأول يمثل الدور الريادي الذي بدأت تركيا تلعبه على امتداد العالم الإسلامي، والنموذج الذي يقدم الوجه الحضاري للإسلام المعتدل، في مقابل نماذج أخرى للإسلام في المنطقة كالتشدد الوهابي والطالباني. أما الثاني فهو السهم الذي سيندفع بقوة نحو الغرب ومن موقع القوة. فالغرب الذي لم يقبل بانضمام دولة علمانية بهوية إسلامية كما تعرِّف تركيا نفسها، سيقبلها مرغماً بعد أن تكون قد رسّخت أقدامها في الشرق كقوة إقليمية. وبغض النظر عما كان يريده مصطفى كمال، فمن المؤكد أنه كان يحمل مشروعاً واضحاً أراد بواسطته إخراج الأتراك خصوصاً، والمسلمين عموماً من تخلفهم. ربما كانت هذه السياسة صائبة أو خاطئة، ولكنها في ذلك الوقت كانت حركة ثورية وإصلاحية. أما حكام أنقرة الجدد فمنطلقاتهم النظرية غامضة ضبابية تخفي أجندات سرية من وجهة نظر خصومهم القوميين الأتاتوركيين، ويستشهدون بذلك بنجم الدين أربكان الذي وصف الاتحاد الأوربي بخرقة بالية يجب تمزيقها والعودة إلى خيار الدول الإسلامية  الذي بشّر به أوزال وأسّس له العثمانيون الجدد. وقد شجع الغرب أنقرة على إحيائه هذا الخيار من جديد عند بداية الربيع العربي، على أمل أن تقوم أنقرة برعاية الحكومات الإسلامية الناشئة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كي تتخلص أوربا من إلحاح أنقرة على الانضمام إلى الاتحاد الأوربي ورفع الحواجز الحدودية معها.

إن (حزب العدالة والتنمية) يعمل كي تصبح أنقرة (قوة إسلامية) خالصة في الشرق الأوسط، لكنها في ذلك الحزب يعتقدون بأنها ستكون معزولة عن الغرب، تشبه في أحسن الأحوال (اليمن السعيد). بمعنى أنها ستكون دولة إسلامية مزدهرة وضخمة لكن دون أن يكون لها أي دور في الأمن الإقليمي. ويدرك قادة (حزب العدالة والتنمية) أن قيمة أنقرة الحقيقية في الشرق الأوسط تتمثل في أنها قوة إسلامية تحظى بروابط قوية مع الولايات المتحدة وتمتلك تقنيات حلف شمال الأطلسي وعضلاته. وإذا علمنا أن تركيا هي الدولة المسلمة الوحيدة في هذا الحلف، نستطيع أن نطرح التساؤل التالي: ما هو الدور المنوط بتركيا أن تلعبه في المنطقة؟ هل هو دور المرشد والدليل في العالم الإسلامي، حتى يتفادى الناتو إثارة النعرات الطائفية والحزازات الدينية والعمل على تجاوز الفروق الثقافية، أم أن دورها يقتصر فقط على تقديم الغطاء لتلك التجاوزات ووضع التبريرات لها؟

خاطب مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك الشعب التركي في الأيام الأولى للجمهورية التركية قائلاً:

إن طلب العون والمساعدة من قبور الأموات صفعةٌ على جبين المجتمع الإنساني المتحضّر..يجب أن تعلموا أيها السادة، أنتم وأفراد أسركم، أن الجمهورية التركية العلمانية لا يمكن أن تكون بعد اليوم ساحة للمشايخ والدراويش وأتباعهم.. إن كان هنالك من طريقة حقيقية فهي طريقة الحضارة المبنية على العلم !.. وعلى مشايخ الطرق الصوفية أن يفهموا هذا الكلام بوضوح.. وبالتالي يتعين عليهم إغلاقُ زواياهم بالحسنى قبل أن أدمرها فوق رؤوسهم!

 لم يقف الزعيم التركي عند حدود القول، بل أخذ البلاد والعباد فعلاً إلى هوية علمانية غطت شتى مناحي الحياة.. غير أن مياهاً كثيرة جرت في أنهار تركيا.. تراجع دور العسكر في مؤسسة الحكم، وجاء إلى السلطة حزب العدالة والتنمية بقادته الموصوفين بالإسلاميين الجدد.. ومع ذلك لا تزال قضية الهوية مطروحة بقوة في المشهد السياسي التركي.. في الوقت الذي يتطلع فيه كثيرون في الدول العربية التي انتفضت ضد أنظمتها الحاكمة إلى ما يسمى اليوم بالنموذج التركي.

 

ما قلّ ودلّ

هناك من يعمل على إحداث شرخ بين المسجد والحسينية والكنيسة…. وللأسف فإن بعض الجهّال من ذوي النفوس الضعيفة يعمل على تأجيج النار في الهشيم وينفّذ هذا المشروع، إما بحسن نيّة أو عن سابق إصرار وتصميم.. المطلوب منا الابتعاد قليلاً عن الخطاب الطائفي المانع والتركيز على الخطاب الوطني الجامع… لأن استمرار وارتفاع صوت الخطاب الغرائزي الطائفي لن يبقي لنا مكان عبادة لزيارته والصلاة فيه.

العدد 1188 - 25/02/2026