الأسرة تحتاج إلى ثلاثة أضعاف دخلها الحالي لتلبية حاجة الطعام فقط

مائدتا الإفطار والسحور تكلفان الأسرة 63 ألف ليرة شهرياً

رمضان يحتاج إلى دخل إضافي، بل إلى ثلاثة رواتب وفق قول بائع خضار، في حديث عابر معه، مستدركاً بالقول: (وهناك مصروف العيد والخير لقدّام)، فالأسعار في رمضان لاتزال محلقة كعادتها، مع زيادة الطلب على المواد الغذائية وخاصة الخضار والفواكه، ولا شك أن ذوي الدخل المحدود وضعوا مخططاً لمواجهة متطلبات رمضان من المواد الغذائية، ولكن جميع الخطط باءت بالفشل أمام تفاقم الأسعار وضعف الدخول، فها هو ذا رمضان على وشك الانتهاء، وبالطبع الدخول انتهت قبل انتهاء رمضان، والمستهلك بات يستهلك من مدخراته، وهنا جال سؤال مفاده: ما هي تكلفة مائدة الإفطار والسحور لدى الأسرة السورية المكونة من ستة أفراد؟

خبير: ثلاثة أضعاف.. للطعام فقط!

أوضح نضال طالب، الخبير الاقتصادي، في تصريحه لـ(النور)، أن وجبة الإفطار العادية ولنقل المتوسطة، تكلف الأسرة المكونة من ستة أشخاص نحو 1300 ليرة يومياً، (وهي مكونة مثلاً من الشوربة والفتوش والكوسا والخبز والعصير والغاز، وقد جرى حساب هذه التكلفة وفق الأسعار الرائجة حالياً).

ولفت إلى أن مائدة الإفطار المشار إليها تعتبر مائدة متواضعة جداً، مشيرا إلى أن وجبة السحور أيضاً تكلف هذه الأسرة نحو 800 ليرة يومياً، (وأيضاً هي مائدة متواضعة تشمل البيض واللبنة والخبز والمربى، ليصبح المجموع اليومي لتكلفة المائدتين نحو 2100 ليرة، وهي ذات سعرات غذائية متدنية ولكن ليس كثيراً، وفي حال احتسبت تكلفة الإفطار والسحور على مدى أيام رمضان كله، فإن التكلفة الإجمالية تصل إلى نحو 63 ألف ليرة، وهي كما ذكرنا بحدود متواضعة، أي أن المبلغ المذكور يمثل 3 أضعاف دخل المواطن، في حال أردنا أن نقول إن وسطي دخل المواطن هو 21 ألف ليرة شهرياً، بمعنى آخر المواطن يحتاج إلى ثلاثة أضعاف دخله الحالي لكي يلبي في رمضان حاجة طعامه فقط).

وقال طالب: (بالطبع مبلغ 63 ألف ليرة هو تكلفة وجبتين فقط في شهر رمضان، ولم نذكر بعد بقية التكاليف التي لا مهرب منها لأي أسرة، مثل النقل والفواتير والأدوية والأطباء والألبسة والمدارس وأجرة المنازل، وفي حال جمعنا هذه التكاليف مع المبلغ السابق فإن المبلغ النهائي يصل إلى أرقام خيالية).

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الأسرة تستهلك حالياً من مدخراتها، أو أن يوجد أكثر من معيل للأسرة الواحدة لكي تستطيع مجابهة الأسعار المرتفعة، ذلك أن الدخل الحالي لا يكفي لسد رمق الأسرة، عدا أن هناك أسراً تعتمد على المعونات والمساعدات.

الفجوة تتسع بين الدخول والأسعار..

الأرقام السابقة تؤكد أن الفجوة بين الدخل والأسعار واسعة جداً جداً، وهذا يضع الحكومة في تحد حقيقي لسد هذه الفجوة أو على أقل تقدير التضييق منها قدر الإمكان، وبالطبع حالياً نسمع كثيراً عن أن هناك زيادة في الرواتب قريبة، وبالطبع الزيادة في الرواتب للموظفين أصبحت ضرورية في ظل هذا الارتفاع في الأسعار، ولكن يجب التنبيه إلى أن الزيادة دون مقابل إنتاج يطرح في الأسواق قد يؤدي إلى حدوث تضخم أكثر من الموجود حالياً، وبالتالي ارتفاع الأسعار أكثر، كما يحدث في كل مرة، أي أن الموظف لن يستفيد من الزيادة بل سيتحمل وزر هذه الزيادة بقية المواطنين غير الموظفين في الحكومة، لأن دخولهم لم تزد وبقيت ثابتة، بل وتتناقص في ظل التضخم الحالي.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الزيادة في الرواتب تشمل العاملين في الحكومة فقط، فماذا عن بقية المواطنين؟.. وماذا عن العاطلين عن العمل؟.. وماذا عن الأسعار التي قد تشهد ارتفاعاً فور صدور الزيادة على الرواتب.. وأحياناً قبل الزيادة! هذه النقاط يجب على الجهات الحكومية أن لا تغفل عنها وأن تعمل على تجاوزها.

ولا بد من الإشارة أيضاً إلى أن ضبط الأسعار عامل مهم في منع التضخم، ولكن لا يمكن تحقيقه فقط من خلال الجولات الرقابية على الأسواق على أهميتها، ولكن الأهم هو تحقيق عنصر المنافسة في الأسواق وطرح السلع والمواد الغذائية وتعزيز حضور مؤسسات التدخل الإيجابي الحكومية لتصبح منافسة حقيقية للقطاع الخاص، لا أن تقوم بعرض سلع غذائية ذات أسعار قريبة من أسعار السوق، فيجب على هذه المؤسسات أن تكون غير ربحية حالياً في ظل الظروف الراهنة، بل يجب أن تكتفي فقط بتلبية حاجات ذوي الدخل المحدود، وأن لا تتعرض للخسارة، فهدفها حالياً يجب أن يكون اجتماعياً لا اقتصادياً.

بالأرقام: الإفطار 1500 ليرة والسحور 800 ليرة يومياً

في حال أردنا الحساب بدقة أكثر فإن مائدة الإفطار تكلف الأسرة يومياً ما لا يقل عن 1500 ليرة وسطياً، وعلى سبيل المثال فلنقل إن الأسرة تريد طهي (البامية بالأرز)، فهي تحتاج إلى ما لا يقل عن كيلو أرز وسعر الكيلو الواحد يصل إلى 200 ليرة حداً أدنى، كما تحتاج الأسرة لطهي هذه الوجبة إلى نحو نصف أوقية من لحم الغنم يصل سعرها إلى 200 ليرة أيضاً، وهنا تصبح التكلفة 400 ليرة، كما أنها تحتاج إلى كيلو من البامية سعره 400 إلى 500 ليرة، ولنقل وسطياً 400 ليرة، وهنا أصبح المجموع 800 ليرة، وهي تحتاج إلى كيلو ونصف من البندورة على الأقل، وسعر كيلو البندورة نحو 40 ليرة فيصبح المجموع 80 ليرة، لتصبح الوجبة الحالية تكلف 880 ليرة، بالطبع لم نذكر الزيوت التي تستخدم في الطهي ولا تكلفة الغاز ولا تكلفة التوابع الأخرى التي تضاف ضمن الوجبة، وفي حال أرادت أن تأكل صحن سلطة أو فتوش مع الوجبة، فإن الصحن الواحد يكلف 200 ليرة حداً أدنى، ليصبح المجموع 1080 ليرة.

وإذا أرادت أن تتناول الفواكه، وبالطبع الأسرة من ذوي الدخل المحدود لن تتجرأ على شراء الدراق والخوخ والتفاح، بل ستتجه إلى البطيخ فهي تحتاج إلى بطيخة كاملة، ويصل سعرها إلى نحو 300 ليرة حداً أدنى، وبالتالي أصبحت التكلفة الإجمالية نحو 1380 ليرة! وإذا أرادت أن تتناول الحلويات، وبالطبع هي لن تشتري الهريسة أو حلاوة الجبن، بل ستكتفي بالعوامة والمشبك، لأنهما حلويات الفقراء سابقاً، فإنها تحتاج إلى نصف كيلو منها يصل سعره إلى 150 ليرة ليصبح المجموع الكلي نحو 1530 ليرة.

فمائدة رمضان للأسرة من ذوي الدخل المحدود تكلفها حداً أدنى، أو كما يقال حد الكفاف 1500 ليرة يومياً، هذا للإفطار فقط، مع الإشارة إلى أننا لم نذكر بقية الوجبات، لأن الأسرة لن تأكل البامية طيلة رمضان فقط، بل ربما تتجرأ أن تأكل الفروج أو تأكل الكوسا أو الباذنجان أو الزهرة وغيرها من المواد الغذائية الأخرى، وبالطبع تكاليف الإفطار لم تنته عند هذا المبلغ، بل هناك تكاليف أخرى تتمثل بوجبة السحور.

أما السحور فهو أيضاً يكلف الأسرة، إذ يتكون من بيض ولبنة وجبنة وخبز وشاي وسكر وزيتون وزعتر ومربيات وغيرها من هذه المواد، التي تكلف الأسرة وسطياً، كما ذكر الخبير الاقتصادي، نحو 800 ليرة يومياً، أي أن تكلفة الوجبتين تتجاوز ألفي ليرة يومياً. وبالطبع هذا الرقم لا يمكن أن يتوافق مع متوسط دخل المواطن الذي لا يتجاوز 30 ألف ليرة شهرياً، مما يجعل الأسر تعتمد على التقشف أكثر، وشراء الضروريات جداً، والتقشف حتى في الأساسيات، ذلك أن موائد رمضان الحالي اختلفت عنها في رمضان السابق وربما تختلف عن رمضان القادم في حال لم تتحسن الأمور المادية للمستهلكين، فالمائدة تتقلص من حيث ما تحمله من مواد غذائية وأصبحت تحوي فقط على الأساسيات، مع عدم التجرؤ على شراء الكماليات الغذائية من حلويات وفواكه وغيرها.

العدد 1194 - 15/04/2026