اختصار الأمل بجرّة قلم
أكَّد المتفائلون، أنهم تلقوا دروساً مفيدة من الأزمة. ومن هذه الدروس:
أولاً- كلما تفاقمت الأزمة أكثر نبتت رياش جديدة لها، وطارت عصافير الأمل.
ثانياً – الثقة الكاملة بأن الأسعار المجنونة فقدت ذاكرتها.
ثالثاً – بجرّة قلم، ودون أي اعتبار أو خلاف على لون الحبر، حلَّقت الآلام باشة فوق الغيوم، وتساقطت أوراق الآمال الصفراء في خريف بارد أمام بيوت الفقراء.
رابعاً – تعالت ضحكات المتفائلين وصعدت على سلّم المجد، وهم يقرؤون في الصحيفة المحلية ويشربون الشاي في المقاهي الشعبية الرخيصة، حكماً قضائياً قطعياً صادراً عن ديوان الأزمة، دون مفعول رجعي، وهذا نصّه: (مات الأمل بجلطة قلبية، ولم ينتحر كما أشيع بطلقة من مسدس كاتم للصوت، أو بطعنة من آلة حادة. وسُجّل الحادث باسم مجهول!).
تفاقمت الأزمة وضعفت القدرة الشرائية للمواطن. وتصاعد الخط البياني إلى قمة الهرم – كما يقول الاقتصاديون – ومن شدة الدهشة لما يحدث من نزف للدماء، ومن قتل وإرهاب وخطف وموت، تفحمت خلايا الأدمغة. وفُتحت نوافذ جديدة للأطباء المتخصصين بعلم النفس وبالجملة العصبية. وامتلأت جيوب تجَّار الأزمات. وهللّ فرحاً لصوص السوق السوداء. ورفع المواطنون الغلابة شعار (نَمْ بكّير وشوف الصحة شلون بتصير). وفسَّر بعض الفقهاء هذا الشعار وحددوا شروط تطبيقه ب:
1- تناول عشاء خفيف جداً.
2- ممارسة رياضة المشي.
3- انتعال حذاء رياضة صيني.
4- الإكثار من تناول فيتامين الأحلام لتغذية الذاكرة.
5- تعلم مهنة التصوير وجمع الصور في ألبومات وردية جذَّابة، تحكي بعيداً عن فلسفة الجمل الشاعرية المثيرة للتقزز، وعن العتمة المعششة في ثنايا الليل، وعن النهار المزدحم بالأكاذيب والعُهر والرذيلة وقذارة الفضائيات الرخيصة، التي تشتري الأخبار المزوّرة بآلاف الدولارات لمن يكذب أكثر وتبثها مجاناً.
ومن يزوّر الحقائق أكثر ويقتل وينهب أكثر، ويفتح الصدور وينزع القلوب منها وينهشها فهو مثل وحش يتضوّر جوعاً، ويقول (الله أكبر..!).
وبجرّة قلم يمكن الإعلان عن الحرب، وبكبسة زر يمكن تدمير العالم! ولكن لا جرّة القلم ولا كبسة الزر، يمكن أن تزيل الأحلام الزاهية من ذاكرات من بقي حيّاً من أبناء الأرض! ولا يقدر أحد أن يقطع زهرة من رحم الآمال، ويلقيها تحت أقدام الشر. فالذاكرة المروية بالحب رغم الغيوم الملبدة التي تحاصرها، قادرة أن تنثر في تربتها بذور الأمل.
ومهما كانت الحياة قاسية والدروب مزروعة ب (أزاهير الشر)، فلا يمكن اختصار الأمل بجرة قلم. ومن قال ذلك فهو لا يزال في مرحلة الطفولة ولم ينته بعد من تبديل أسنانه اللبنية!