المركزي ومطلقو الإشاعات يصبون الزيت على أسعار الصرف المشتعلة
ما خسرته الليرة السورية خلال فترة الأزمة يفوق التصور. ولو كانت حال البلاد أفضل مما هي عليه، ولم تطغَ أخبار العنف على كل شيء آخر، لسمعنا، كما هو في كل بلاد الدنيا، عن حالات انتحار وأزمات قلبية وانهيارات عصبية لمن ادخر بالليرة، ولكل من حاول المحافظة على قوة ومتانة الليرة بإيداع قسم من مدخراته في المصارف العامة، ليجد نفسه عقب عام ونصف العام، أن ما خسره يتجاوز 75% من قيمة مدخراته، وقوة ليرته الشرائية. وذلك نظراً لتدهور سعر الصرف. ومارس بعض المسؤولين النقديين الخديعة على صغار المدخرين، وأوهموهم بأن مدخراتهم لن تخسر، إلا أن ما صار مؤكداً هو فشل التعاطي مع حملات دعم الليرة، وغياب الأفق الواضح من جدوى هذه الحملات، وعدم استثمار الإيداعات الكبيرة الموجودة بالمصارف في مكانها اللازم، لا لتحقيق التنمية كما كنا نطالب سابقاً، بل في الحد الأدنى في المطارح التي يجب تمويلها، واستثمارها فيها، وأن تستخدم بشكل أو بآخر لقلب المعادلة الاقتصادية الخاطئة الناجمة عن الأوضاع السائدة في البلاد.
ومنذ أكثر من شهر ونصف الشهر، بدأ الدولار يحقق قفزات متتالية في سعره أمام الليرة، وتزامن ذلك، مع توقف ملحوظ لعجلة الإنتاج، لاسيما في جناحَيْ الجسد الصناعي السوري حلب وريف دمشق. فتعطل الإنتاج، وتوقف سماع هدير الآلات، بالتوازي مع تراجع الزراعة، وارتفاع الحاجة الى المواد والسلع المستوردة، لتعويض النقص الحاصل في السوق المحلية، ساهم في زيادة الضغوط على الليرة، وأدى إلى تصاعد الحاجة إلى القطع الأجنبي. وبات السوريون يحسبون كلف حيواتهم المعيشية على دولار هائج، وأسعار صرف منفلتة من عقالها، وغياب للضوابط النقدية، والأخلاقية. وبات إيقاع الحياة يحسب بالدولار لا بالثواني والدقائق والساعات. إنها الكارثة بعينها، التي لا تقل عن هول الدمار الذي لحق باقتصاد سورية، أن تبقى أسعار الصرف دون رقيب، أو يكتفي المصرف المركزي ومجلس النقد والتسليف بمهمة المراقبة والمتابعة فقط، وتركا جانباً التدخل الموضوعي والمنطقي.
ولاندري ما هي الحكمة التي يستند إليها المصرف المركزي، بأن يستمر في نهجه المثير للتساؤل ببيع القطع الأجنبي لشركات الصرافة، عبر مزادات، أو من خلال طلبات يتقدم بها أصحاب هذه الشركات ومالكوها؟ ولم يتمكن المركزي وحاكمه من إقناعنا على الإطلاق بصواب هذه السياسة النقدية المتبعة، ومدى قدرتها على ضبط أسعار الصرف، ومحاربة السوق السوداء، وكبح جماح الدولار أمام الليرة، وتحسين إيقاع السوق. وتؤكد المؤشرات بما لايدع مجالا للشك، أن هذه الطريقة أدت إلى استفادة قلة قليلة جداً من بيع القطع الأجنبي، وزيادة حدة الاتجار بالدولار في السوق المحلية. وذهب هذا القطع إلى أشخاص بعينهم، دون أن تؤدي هذه السياسة الهدف المرجو منها.
وبالمقابل، لايمكن نكران أن التدخل المراد للمصرف المركزي ينطلق من تلبية احتياجات المواطنين من القطع الأجنبي. لكن هذا شعار فضفاض، وكلمات ترمى في الهواء، مادامت طرائق التدخل لدى المصرف المركزي غير واضحة، ولم تسهم في تأدية المطلوب منها، سوى أنها ضبطت بشكل مؤقت سعر الصرف المنفلت.
ويسجل على المركزي أيضاً فشله في مواجهة الإشاعات التي لها مفاعيل عكسية على سعر الصرف، والتي انطلقت الأسبوع الماضي، ومست الليرة، لجهة الزعم باستبدال العملة، أو طباعتها. وهي خدمة قدمها هؤلاء نقلاً عن مصادر نقدية لاتقل خطورة، عما يفعله المتاجرون بالعملة الوطنية، والذين يعيثون فساداً في سوق الصرف، ويحاولون تنشيط السوق السوداء. وباتت العملة مكسر عصا، لدى بعض الذين لايفقهون معنى الحديث عن العملة، يحاولون الرد على أسعار الصرف المنفلتة، بصب الزيت فوق النار، ويحاولون إطفاء ألسنة اللهب بمزيد من تسخين جبهة أسعار الصرف.
إن هذه الممارسات التي ظهرت خلال أزمة الأسبوعين الماضيين، كانت كارثية، وحاول مطلقوها توجيه الخوف والرعب إلى بعض المتاجرين بسعر الصرف، والمسؤولين عن ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الليرة، لتأتي النتائج مخيبة للآمال. فالحرب النقدية تحتاج إلى كوادر قادرة على إدارتها، بكفاءة عالية، وقدرة على التحليل والتركيب، واتخاذ الموقف المناسب، والقرار اللازم، ولهؤلاء يمكن القول (ماهكذا تورد الإبل)!