حكي قرايا

اكتب…

ضروري تكتب.. مفروض تكتب.. من حقك أن تكتب..

انت أول واحد لازم تكتب..

نادراً ما اجتمع أهل الضيعة على رأي، مثلما اجتمعوا على وجوب كتابة ابن ضيعتهم يحيى الصحفي. أما سبب الوجوب وموضوعه، فمن الطبيعي أن يختلف لديهم من واحد إلى آخر.

ف ثريا محروس مثلاً، بودها أن يكتب لها عرض حال لسيادة الرئيس (بذات نفسه) بخصوص ابنها (هدّيلي) حتى يشوفوا له وظيفة على قده. لأنه حسب تقديرها، أكثر بني آدم في كل سورية، بحاجة إلى مصروف: يتيم.. وحيد.. والله يساعد، إذا (….) ما بيعرف يمسِّح (…)!

بينما لا يطلب أخونا شهاب الدايخ، من حكومتنا الحكيمة، سوى أن تمطّ عنايتها قليلاً نحو المدخنين والشرّيبة. وتخفّف لهم سرعة طيران أسعار (التُتُن) و(العرق) حتى يظلوا سكرانين، من ناحية ينسون جوعهم وتعبهم وموجوعهم، وحقهم وحريتهم ومحقوقهم. ومن ناحية أخرى يتلهّون عن نقد الحكومة، والغمز من قناتها.

في حين تتنطح الخالة (أم علي) للكلام فتقول: إنها على قد عقلاتها، ومن خلال وجهة نظرها ودرفة شباكها المفتوحة دائماً على ساحة الضيعة وسياحة أهلها، لا ترى هناك ما يستحق الكتابة عنه. أكثر من رغيف الخبز.

طرح ما طرح من اقتراحات، والرفيق سلمان يستمع من دون أن يتفوّه بكلمة، مكتفياً، كما صرّح لي لاحقاً، بتداول الرأي بينه وبين نفسه. إلى أن تمّ التوافق بينهما بالإجماع، فانتفض متسائلاً:

 إذا (كربجت) معدة أحدنا واحتاج (شربة دواء) يحسبها له الصيدلي بالدولار صح؟..صح.

 إذا (عصلجت) معه ورقة في إحدى الدوائر واشتهت نفس الموظف (سكَّرة). كذلك يسحبونها بالدولار صح؟..صح.

 أخي إذا صادف أحد المفقرين المعطلين عن العمل، ولادة مسابقة وطنية (أقصد على أرض الوطن) وطلب إليه (ثمن فنجان فهوة). (يقرِّشون) له ثمن القهوة والفنجان على سعر الدولار أيضاً. صح؟.. صح.

طيب ممكن تفهموني، لمَ عندما يقررون المعاش التقاعدي لشرطي مثل الأخ (سلمان) خدم الدولة عشرين سنة ويعيل أسرة طويلة عريضة في هذا الزمن الأقطش المأزوم، يقبضونه ما يقارب ال 000,12 ل.س، لا تكفيه ثمن تعبئة برميل مازوت، لا يحسبونها له بالدولار؟

أما بالنسبة إلى العم (أبو مشهور) فكل هذا الذي يحصل في بلدنا، مما لا يهضمه عقل ولا يدخل في زور ولم يسبق أن روي مثله في الأساطير وبلاد العجائب. كل هذا في كفة وأن تطلع علينا الأخبار كل يوم باكتشاف نفق جديد في أرضنا بعرض كذا وطول كذا في كفة ثانية.

وأخيراً يا صاحبي. إلامَ توصلت حضرتك وحضرات أعيان قريتكم؟ وعلامَ توافقتم أو عقدتم العزم؟

وكأني بصاحبي الصحفي، قد استشف عبر تساؤلي، شيئاً من إطالته وبعضاً من ملالتي، إذا أجابني:

.،. سأخالف الروائيين أسلوبهم، كي لا أقول أبزّهم في الأسلبة، وسأعطيك من الآخر، لكن عن طريق (الخطف أماماً).

كان مختار القرية، وهو لعلمك شاب مثقف إنساني خدوم وصاحب نكتة  المتكلم قبل الأخير في لقائنا: قال مخاطباً المجتمعين ومحاولاً اختصار الوقت والحد من التطلبات:

تعلمون يا جماعة أن الأستاذ يحيى ابن ضيعتنا وخينا بالإنسانية (كما تقول ماجدة الرومي) كتب الكثير وسيكتب ولن يألو جهداً في خدمة القرية والوطن عموماً. وتعرفون جيداً موقفه مما يجري. لكن ليس كل ما تفكرون به أو تعانونه أو تقولونه، يستطيع كتابته والعودة إلى بيته في الوقت المحدد.

فما كان من أمين الذي اعتاد رشّ البهار على كل الأخبار، غير أن رد عليه والحماسة تقطر من قبة قميصه:

لا يا مختار.. زمان الأول تحول، وما كان يمشي قبل الأزمة، ما عاد يمشي الآن. اليوم تغيرت الرقابة وتحررت الكتابة!

ثم ختم متوجهاً صوبي:

صح أم لا يا أستاذ؟

العدد 1195 - 23/04/2026