بما معناه

بدءاً.. أستميح القارئ عذراً، لاضطراري إلى نقل كلام هذه الزاوية، مترجماً عن ألسنة أصحابه (الذين شاركتهم سفرةً على متن إحدى السيارات المتوسطة، من دمشق إلى شهبا) من العامية إلى ما بمعناه في الفصحى. لأنَّ المدقق اللغوي في الجريدة (يتزنطر) إذا ما رأى كلمة عامية بسيطة، تتبختر بين أخوات لها فصيحات متأنّقات.

أمَّا الكلمة بين الأهلّة أعلاه، وما قد يعترضني من مثيلاتٍ، لن أقع لها على معادلٍ عادلٍ في فصحانا. فأترك للمدقق نفسه ترجمتها.

***

الراكب ألف: إيه يا معلم، كم هي أجرة الراكب إلى شهبا اليوم؟

الراكب باء: يرن جوّاله بأغنية للشحرورة صباح، يمكن ترجمة عنوانها بالفصحى (أتوسل عينيك واسترحمهما أن تحكي معنا) فيرد قائلاً:

ألو.. توّاً خرجنا من المرآب.. ألوماذا؟ لأ.. مشّي الحال من دون فراريج.. ثمن الفروج صار 1000 ل.س، ليلاحظ من سيلاحظ وينتقد من سينتقد. لايوجد معي نقود.. قلت لك لايوجد لايوجد! وإن وجد فالأجدى والأجدر والأكسب حسنة، أن نشتري بنقودنا أشياء أخرى..

تسألين مثل ماذا يعني؟ لاتعلمين يا بنت الستين…مثل ماذا يعني؟

مثل مؤونة (المكدوس) يعني..

ورب البندورة يعني..

والمقدّدات يعني..

والمعقودات يعني..

والكشكات والمازوتات يعني..

ولوازم المدرسة للأولاد من بدلات وأحذية ودفاتر وأقلام ومحايات وبرايات يعني؟!

أمَّا الراكب تاء فهو لعلمكم، إنسان هادئ رزين وصموت، لايكلمك إن لم تسأله الكلام، وإن سألته يرد بالقطارة، حتى لو كان الكلام في صالحه. نقطة ضعفه، وقد تكون نقطة قوته، هي تحسسه البالغ للجمال وتأثره به. فها هو ذا يتأمل تلك السمراء التي ترامقه بودٍّ واستحسان من مكانها إلى يساره في أقصى المقعد، وكأني به يرفع في سره آيات الدعاء والتسبيح، لخالق تلك العينين وناحتِ ذلك العنق ومبدع هاتيك الابتسامة!

الراكب ثاء: ماطّاً رقبته السلحفاتية قدّام خلقة جاره (ت)، حاجباً عنه ومعارضاً وصول الجمال الأنثوي إلى سدة رؤيته: أراك نعسان كأنك لم تنم البارحة، ما رأيك بأني أشرب صباحاً مقدار ركوة قهوة، وأثناء العمل أشرب خمساً إلى ست كاسات أقول كاسات، هه لا فناجين، ومساءً أشرب إبريقاً وأنام ملء عيني، مارأيك!؟

الراكب جيم (يأتي صوته من الخلف محدثاً جاره وشاكياً له همّه): هويتي يا أستاذ، كانت عين الله عليها، لكن حافتها مشعورة قليلاً. أخذوها منّي اليوم صباحاً، لدى مجيئي إلى دمشق، وأعادوها لي مكسورة بمقدار حبّة الحمّص.. تصوّر؟ وقال ماذا؟ قال كي يجبروني أن استصدر هوية بديلة!

ألف: القصة يا مرحوم الأب، أن أجرة السيارة وأسوة بسواها من أجور واستحقاقات، طارت. ولمّا ترسُ على برّ ولابحر بعد.. صار كل سائق (يتابع الراكب أ) موتوره – عفواً – محرّكه وما يعطيه. طبعاً، فالبلد مأزوم وخربان ولاثمة رقيب ولا حسيب!

ثاء: بعض الأشخاص يكون واحدهم (قدّي) على ثلاث مرات، وتراه يعجز أو يتعزز عن شرب فنجان قهوة مساءً، خوفاً من أن لاينام طول الليل.

السائق: بين كل مَنْ ابتلينا بهم من لصوص وتجار أزمات وسماسرة. الذين نهبوا البلد وأكلوها و… لم يتحرك شرش نخوتك الوطنية يا عزيزي، إلا على السائق المعثّر الذي بألف قبلة ذقن وخمسمئة فركة أذن ولا أدري كم لا أعرف ماذا. حتى يحصل على عبوة مازوت مزغولة، عجيب والله!.

المليحة.. منتهزةً استناد (ث) إلى ظهر مقعده ومتوجهة بتساؤلها واستلطافها وجمالها إلى معجبها (ت) مشيرة إلى أحدهم: ما شاء الله على طلاقة لسانه وامتلاء جيبه. من قبل أن تتحرك السيارة وإلى الآن لم يهدأ جواله؟

باء: يا بنت الحلال قلت لك مشّي الحال ولاتهتمي.. لأنك لم تجدي بين كل هؤلاء الملاحظين والمنتقدين من سيتكرم إذا لزم الأمر، ويساعدني بليرة سورية واحدة!

ثاء: وقبل أن يترك فرصةً لجاره (ت) بالإجابة، ينتصب مُجلِّساً عموده الفقري، ماطاً رقبته باتجاهها ليتطوع بالرد: لا ليس مثل ما تتوهمين. أنا أعرفه، نوري (أندبوري) لكن.. معه وحدات مجانية ويريد استغلالها..

***

تتوقف السيارة عند أحد الحواجز.. يناول السائق العسكري بطاقات الركاب التي قد جمعها سلفاً. يتصفحها الأخير مبقياً على إحداها وداعياً صاحبها للترجل.

»قبل أن يعقب قائلاً«: وأنت أيضاً الذي هناك..ماذا تدوّن يا أستاذ ؟ هات محفظتك والورقة التي تكتبها وشرّف لعندنا.

العدد 1190 - 11/03/2026