عيدٌ لم يأتٍ
هيّأت مريم مساءً، نفسها وأولادها وبيتها، وكل ما ترى أنه يسهم في إسعاد زوجها العائد غداً: فرشت غرف البيت والقلب بسجاد الودّ الذي يجمع بينهما.. زيّنت الشرفات بأصص الحبق الملاعقي الذي يفضّله.. مسحت بأنامل حنانها رؤوس أطفالها.. ومع مداعبة خيالها – قبيل النوم – أساور الأمل وزغاريد الفرح التي ستستقبله بها في الصباح. تعالى صوت دموعها بأغنيته المحببة:
مريم مريمتي.. عيني مريما
والقلب مجروح.. بدو مرهما
مريم ع السطوح.. والشعر بيلوح
والقلب مجروح.. بدو مريما
***
صحيح، أن علي يفتخر باستشهاد ولده، دفاعاً عن مجموعته وكتيبته ولوائه وجيشه، وبالتالي عن سورية الوطن.. صحيح أنه حضر تأبينه معتزاً بثناء كلمات الأهل والرفاق والقيادة.. صحيح، أنه في كل هذا بدا لنفسه وللآخرين، متماسكاً صلباً لم تسقط له دمعة.
لكن، صحيح أيضاً، أنه كان مع ذاته وفي قرارة روحه وأوقات انفراده، يضرجه إحساس أن في افتخاره واعتزازه شيء من المكابرة. في تماسكه وتصلبه شيء من الهشاشة، وفي عدم بكائه، عويل في حشاشته.
وصحيح أيضاً وأيضاً، أنَّ الصورة المجللة بالسواد لم تقم مقام جثمان ابنه (فريد) ولم ولن تقنعه بموته: فخطيبته ما تزال تعدّ الأيام وتنتظر.. وأمه كل صباح تعيد ترتيب غرفة النوم التي ستشهد أحلى عروسين وتنتظر، والعريس فريد الذي ما أخلف يوماً عهداً ولا ميعاداً، لابد أن يفي بوعده ويأتي في العيد.. وإنَّ غداً لناظره قريب.
***
منذ أن هلّ (عشر العيد) وشغلها الشاغل عيدية (أحمد) وما اشترته له من حاجات. فتارة تغسل له بدلته المدرسية.. تارة تكويها.. تارة ترشها بالعطر وتارة بالدموع، ثم تعلقها مكانها في الخزانة.. وتارة تزجي الوقت بتبييت الأقلام والألوان وعلبة الهندسة في مواضعها من الحقيبة. وتضحك (حمده) حيناً وتبكي أحياناً، عندما تقرأ الاستغراب والشفقة في عيون أفراد أسرتها. وكثيراً، ما حاولت شدهم إلى صفها وإقناعهم بمنطقها:
أن لو مات أحمد فعلاً – لا سمح الله – لكانوا سمحوا لها برؤيته، وعندئذ ستتأكد وينتهي الموضوع.. أمّا أن يأتوها بصندوق مُقفَل ومختوم بالشمع الأحمر بعد أن وضعوا فيه حديداً أو تراباً أو لا أدري ماذا، ويقولون لها هذا ابنك، فمن يصدق هذا الهراء؟!
وتتابع (حمدة):
قلبي يقول إنه يرقد في أحد المشافي مغمى عليه أو فاقداً الوعي.. ولا أستبعد أن يكون مخطوفاً أو مسجوناً. وحاشى الله أن يمر العيد قبل أن يعود أحمد إلى حضن حمدة..
كأني أراه أمامي مع رفاقه كعادتهم، يتنقلون صباحاً بوجوههم المشرقة وبثيابهم الجديدة من بيت إلى بيت يعيّدون أهل القرية.. صدقوني، أنا أمّ وأعرف. ثم تَشرَق بنوبة ضحك أو بكاء جديدة.
***
قيل: إنَّ (الأضحى) قد جال ليلة ما قبل قدومه، متفقداً أحوال الفاقدين، على الأرض السورية وخارجها. ك (مريم) و(علي) و(حمدة) وأمثالهم.. ولمّا هاله ما شاهده من حالات لم يرقَ إليها توقعه ولا خياله.. قرر عدم المجيء هذا العام أو على الأقل تأجيل مجيئه، إلى ما بعد انتهاء الحرب التي ذهب بسببها ما ذهب من ضحايا؟!