وردٌ في البحر
الزبد سياج من الفلّ، والزرقة عميقة… عميقة، فضاء واسع إلى الأمام، ممتلئ بالحبر، وبالأسرار. اليابسة تردد صدى الهدير، فتنجب رجالاً قساة، وتدفعهم إلى الأزرق الرهيب، فيصيرون بحّارة، ويردد البحر أيضاً صدى الغناء البشري، فينجب حوريات بحر. معادلة كونية تتجدد كل لحظة، لتذكّر المتأملين قرب الشواطئ أن أصل الحياة تزاوج الماء المالح مع خصوبة التراب المطلّ على الماء.
من هنا ابتدأ الكون ينبض، من هنا ولدت الحياة بحركاتها الأولى، ثم انتشرت على هذا الجسد اليابس. ومن هنا، أو قريباً من هنا خرج الآلهة الأوّلون، فأنتجوا التأملات الأولى، وأعادوا ترتيب الكون بعشوائية منتقاة، نثروا ورد اليابسة على سطح البحر، فغاص في الأعماق ليتابع وينتج حياة أخرى، مائية بامتياز، متجاوزاً هواء الجبال ونداها. ورشّوا ماء البحر أيضاً فوق التراب، فكانت الأنهار، ومن ينسى أفروديت وهي تغزل الماء وترشه للأعلى.
ما انفصل الماء عن الماء، ولا التراب عن التراب، الأجساد متكاملة أبداً، قد تتغير الهيئات وتتبدّل، ولكن إلى حين، حيث لا يمكن للفتق أن يستمر، ولا للرتق أن يغيب. هي معادلة النشوء الأول، أو ما قبله، وهي انحلال حقيقة الأشياء في الأشياء، كانحلال الصورة في صاحبها، وانحلال اللون في اللوحة، حتى الوصول إلى انحلال المعاني في الكلام، والموسيقا في القصائد. لا تنفصل أصول الأشياء عن الأشياء إلاّ لتعلن الرحيل إلى النهاية، كانفصال الأرواح عن الأجساد قبيل الموت. وفي ذلك انتقال أيضاً من حالة إلى حالة مختلفة، هو ليس انعداماً للأشياء أو انتهاء لوجود، هو تحول الشيء من حالة إلى حالة.
قيعان البحار والمحيطات امتداد طبيعي لليابسة، غلّفه البحر وغطّاه بمائه، والأنهار امتدادات للبحار كالأصابع. حتى الغيوم، ما هي سوى كتل من الماء، يرسلها البحر مستطلعاً كلّ شتاء، وكأنه يتجهّز لأمر خطير. في القاع غابات، جبال ووديان، حيوانات تفترس وأخرى تجمّل الطبيعة، تماماً كما هو الأمر هنا، هنا فوق اليابسة. كم من الناس وضع خدّه على الرمل ليسمع صوت الأعماق؟! وهل من أحد لم يفعل ذلك؟ ما سرّ ذاك الترابط العجيب بين الإحساس البشري بنداء الجمادات، ونقلها الأصوات؟ أهي أصوات فقط؟ أم أنها أحاسيس ومشاعر أيضاً لتلك الكائنات البعيدة، هناك في العمق؟ وما السرّ أيضاً في تشكّل هذا البياض المدهش، من ارتطام الماء بالماء، أو من تكسّره على الصخور، أهو التصادم فقط. كما هو التفسير السائد؟ أم أن البحر يحدد حدود مائه بالورد؟ فهذا الزبد يشبه كثيراً سياجاً من الفلّ.
ما أكثر الحيوات من حولنا، ونظنّ أنفسنا مركز الكون!!! وما أجمل ما لم نره بعد، حين يدهشنا بقدومه المثير، ويثير لدينا إحساساً بأننا غافلون، أجل غافلون وواهمون، نظن أننا وصلنا إلى نهايات المعارف، فيأتي إدهاش كوني بسيط ويعيدنا آلاف السنين إلى الوراء، آلاف السنين مما نعدّ. والبحر… ذاك الصندوق العجيب، تخبئ فيه الآلهة كنوزها إلى حين. والبحر ذاك المتمرّد العاجز عن الخروج من مكمنه. هو منذ التكوين الأول جاء على هيئة جسد مائي، وألقي هنا، في هذا التجويف المدهش، وقيل له قدرك أن تتخبّط وتعجز، وتعيد الكرة مراراً دون أن تملّ. أجل… هو قدرك. كما هو قدرك أيضاً أن تكنز عجائب الحكايات. وإن أنت ناديت أحداً، سيأتي إليك الجميع ليرقصوا فوق سطحك.