الأواني المستطرقة
كنت أسمع الأخبار وأهجس بعنوان لزاويتي الأسبوعية. وسرعان ما نقرت (الأواني المستطرقة) بمطرقتها نافذة ذاكرتي… عندئذ تساءلت: كيف يمكن أن أحوّل هذا العنوان إلى مقالة، تعكس في مقاربتها الواقع المعيشي والسياسي وما يفكر به المواطن؟
لا بدَّ أولاً من التذكير بنص هذه النظرية. فالسائل يوضع في مجموعة أواني متّصلة بعضها ببعض، ويكون المستوى العلوي للسائل متساوياً فيها، على الرغم من اختلافها في الشكل والحجم. ويعود ذلك إلى أن الضغط من الأعلى يكون متساوياً على جميع الأواني!
هناك تشابه إلى حدّ التطابق بين الأواني المستطرقة وحياة الناس. فالمواطنون من جميع الشرائح الاجتماعية ومن مختلف المستويات المادية، يتساوون في الأسواق لا فرق بين غني وفقير مهما ارتفعت الأسعار أو انخفضت.. وحين يبتاع هؤلاء أية سلعة يدفعون سعراً واحداً موحداً كاللباس المدرسي الموحد، ولكن الفرق أن ضغط الحياة المعيشية ليس واحداً عليهم. فالميسورون يمتلكون قوة شرائية، ويكون ضغط ارتفاع الأسعار عليهم أقل من الضغط على غير الميسورين الذين يقنّنون مصروفاتهم إلى الحدود الدنيا أمام ارتفاع زئبق الأسعار المجنونة!
ويتساءل المواطنون في الأحياء الشعبية المصطلح على تسميتها ب (العشوائية، بلغة موظفي البلديات الذين ارتشوا واغتنوا وهم في (طليعة الفاسدين): هل تتساوى هذه الأحياء في تقنين الكهرباء مع الأحياء الراقية؟
هل يمكن أن يطبق هذا القانون على حياة الناس المعيشية والثقافية والسياسية والاقتصادية؟
إذا أخذنا (السياسة) التي أصبحت (الغذاء اليومي لملايين السوريين)، نلاحظ أنه كلما ازداد إرهاب الجماعات المسلحة التكفيرية، قُيّدت أكثر حركة المواطنين وتوقفت أعمالهم ونشاطاتهم، وعاشوا أيامهم بخوف وقلق وعدم اطمئنان على مستقبل أبنائهم، بسبب القتال والموت والقذائف التي تتساقط على الأحياء ويذهب ضحيتها المواطنون.
نصحني صديقي بأن أقيس الضغط في الصباح قبل الخروج إلى العمل، وذلك للاطمئنان أكثر، وعند عودتي مساء إلى المنزل أيضاً، بعد المشي ساعتين أو أكثر لعدم توفر حافلات النقل الداخلي في دمشق بسبب الحرص على حياة الناس.. فأنا (آنية بشرية مستطرقة) مطروقة بمطرقة الأزمات التي أنهكتني، ويكاد دماغي ينفجر، مثلي مثل ملايين المواطنين الدائمين والوافدين المهجرين. فالجميع على مستوى واحد يتنقلون على أقدامهم دون كلل أو ملل.. واستفادوا من قرار إعفاء حافلاتهم التي تسير على دولابين متوازيين بخطوات ثابتة، من التأمين الإلزامي تكريماً لهم ولنضالهم ومواظبتهم على أعمالهم، ولو وصلوا بعد بدء الدوام بساعة!
إن نظرية (الأواني المستطرقة) أصبحت متخلفة ولم تعد تناسب هذا الزمن. فالسائل المتساوي الارتفاع في جميع الأواني، لم يستقر على مستوى واحد، بعد أن ارتفع الزئبق في ميزان الأسعار ولم ينزل بنزول الدولار.. وأن الضغط على أصحاب الدخل المحدود لم يعد يحتمل.. وانضمَّ الملايين إلى الذين يلهثون وينحتون حياتهم ولا ينامون أو يشعرون بيوم يحمل لهم الأمل والسعادة.. انضموا إلى من هم غير قادرين أن يجتازوا الشريط الفاصل بين خط الفقر وتحت هذا الخط.
الآن يفكر أصحاب النظريات والاختراعات في إعادة النظر في نظرية (الأواني المستطرقة)، وتطويرها بما يتناسب مع الحياة الجديدة.. والعمل تحت شعار (التوازن بين الأجور والأسعار) أو إلغائها وشطبها من سجلات براءة الاختراعات!