قوانين المجتمع وخطورة تحولها إلى فضائل

خلال الغزو النازي لبولونيا شاهد مراسل إحدى الصحف فتاة صغيرة تحمل أخاها على ظهرها وتهم بصعود أحد التلال، ملتحقة بقافلة طويلة من المهجرين بسبب الحرب والدمار الذي لحق ببيوتهم. فاتجه المراسل نحو الفتاة واستوقفها، عله يحصل منها على ما يغني تقريره، فسألها: (ثقيل ذلك الحمل الذي على ظهرك، أليس كذلك؟) فنظرت إليه الفتاة باستغراب وأجابته: (هذا ليس حملاً، هذا أخي). لم يكن جواب الفتاة متعمداً لإحراج المراسل، بل كان بكل بساطة نابعاً من تعجبها من تساؤل المراسل ومن تشبيهه لأخيها بالحمل، ومن عدم إحساسها بأنها تقوم بما يلفت الانتباه إلى هذه الدرجة، فهي كانت تقوم بما يجب القيام به.

في كل مجتمع مجموعة من القوانين ينبغي على الجميع الالتزام بها، وتكون غالباً في صلب العقد الاجتماعي الذي بنيت على أساسه المجتمعات أو الدولة بمنظور أوسع، وعادة ما يكون الرأي العام هو خير رقيب على تنفيذ القوانين غير الرسمية والتي تعد نوعاً من العرف السائد. ويمكن تعريف الأفعال الخارجة على قانون المجتمع بأنها تلك التي يرتكبها الشخص ويتلفت حوله خشية أن يكون قد رآه أحد، لأن ما فعله غير مقبول. مثال على هذه الأفعال رمي القمامة على الأرض، أو من نافذة السيارة، أو الاعتداء على رجل مقعد، أو استخدام الكلام البذيء دون مبرر.. وغيرها.

لكن أخطر ما يمكن أن تتعرض له هذه القوانين هو تحولها إلى فضائل، والثناء على الأشخاص الذين يلتزمون بها، لأن الفضيلة في المجتمعات الاستهلاكية التي نعيش فيها حالياً تعدّ عبئاً يحول دون القدرة على التأقلم مع السباق المحموم للبقاء على قيد الحياة، أو ترفاً زائداً ليس بمتناول الجميع. وربما تحققت نبوءة الدكتور عبد السلام العجيلي الذي توقع  منذ عشرات السنين إقامة متحف للقيم والفضائل! لذلك فتحوّل القانون أو العرف إلى فضيلة يؤدي إلى جعل كثير من الأشخاص بمنأى عن الالتزام به.

أفرزت الأزمة السورية الكثير من الأشخاص الذين شكلوا صدمة للمجتمع السوري، بسبب نوعية الفكر الذي يحملونه ومخالفته الفاضحة لما اعتاد السوريون على الالتزام به في جميع ميادين المجتمع ومع فئاته كافة. لكن الرد على أولئك الأشخاص يكون بنبذهم وتأكيد مخالفتهم الصريحة لبنودٍ محورية في العقد الاجتماعي، لا بالتغني بفضائل المحبة والسلام والتعايش التي هي ركائز المجتمع، وليست أعمالاً يمنّ بها الناس على بعضهم. وقد بدأت ظاهرة تحوّل هذه الأمور إلى فضائل مذ تم ترويج مصطلح (التعايش)، وكان يقصد به تقبل العيش مع أشخاص مختلفين، ومن ثم رُوّج لهذه الكلمة إعلامياً وسياسياً بوصفها إحدى خصائص المجتمع السوري وإحدى مزاياه. وهي بالتأكيد مزية مقارنة بدول أخرى تسود فيها الطائفية والعنصرية ورفض الآخر. لكنها لا ينبغي أن تكون كذلك بالنسبة للسوريين أنفسهم، وقد أدى ظهور أشخاص شذوا عن هذه القاعدة إلى دفع الكثير من المثقفين ووسائل الإعلام إلى الحديث عن التآخي والتقارب بين جميع الأطراف في سورية بدلاً من الاكتفاء بنبذ المخالفين وتبيان خطورة ما يقومون به. هناك فرق واضح بين المقاربتين: فالأولى تدل على أن العيش المشترك مهدد وبحاجة إلى وضعه بغرفة الإنعاش، أما الثانية فتنسجم ببساطة مع الآلية التي حافظ بها المجتمع لفترات طويلة على وحدته وتماسكه.

لو أن الطفلة البولونية شاهدت طفلة أخرى تضرب أخاها وتنهره بدلاً من حمايته والاعتناء به، لشاركت في استغرابها لهذه الظاهرة وأكدت أنها مجرد استثناء وأنها خاطئة بالمطلق. أما إذا رأينا أن اعتناء الأخت بأخيها هو ما ينبغي الإشارة إليه والتغني به، فستفكر تلك الفتاة ملياً قبل حمل أخيها في المرة التالية. هذا ما على منابرنا الثقافية والإعلامية أخذه في الحسبان.

العدد 1195 - 23/04/2026