تعديل قانون العقوبات السوري.. ضرورة يفرضها مبدأ المساواة «1 من 2»
من المفترض أن تواكب القوانين المعمول بها في أية دولة دستورها، وإلاّ وقع التناقض لا محالة. وهذا ما تُعانيه معظم القوانين السورية، ومنها قانون العقوبات الذي يضم بين دفتيه العديد من المواد التمييزية فيما يخص المرأة كمكون أساسي للأسرة والمجتمع، وضرورة الاعتراف بمساواتها للرجل في الحقوق والواجبات، ومن ثم تمكينها حتى يمكنها المساهمة الحقيقية في بناء الإنسان والوطن على ما نصّ عليه الدستور السوري.
وكان لا بدّ من الوقوف عند هذه المواد:
في مجال جرائم الشرف
تعزز المواد (192- 240- 241- 242- 548) استمرارية جرائم الشرف في المجتمع، تلك الجرائم التي طغى فيها العرف على القانون، رغم إنكار رجال الدين لوجود نصوص دينية تعزز وتُدعّم هذه الجرائم التي تحصد سنوياً أرواح العديد من النساء، بذريعة الدافع الشريف الذي قد يُخفي وراءه أسباباً أخرى بعيدة كل البعد عن الشرف كالميراث، أو عدم قدرة الزوج على تطليق زوجته لوقوعه تحت عبء مهر باهظ، أو أن الفتاة أقدمت على الزواج بغير إرادة الأهل(من خارج الطائفة أو الدين أو القومية أو الطبقة الاجتماعية) أو ما شابه ذلك. فلنرَ كيف تحيّز القانون للرجل على حساب المرأة تبعاً لذهنية ذكورية بحتة صاغت القوانين بما يتلاءم وتلك الذهنية والقيم والمفاهيم التي تُغذيها:
المادة ،192 إذا تبيّن للقاضي أن الدافع كان شريفاً قضى بالعقوبات التالية:
– الاعتقال المؤبد أو لخمس عشرة سنة بدلاً من الأشغال الشاقة المؤبدة.
– الاعتقال المؤقت بدلاً من الأشغال الشاقة المؤقتة.
– الحبس البسيط بدلاً من الحبس مع التشغيل.
وللقاضي فضلاً عن ذلك أن يعفي المحكوم عليه من لصق الحكم ونشره المفروضين كعقوبة. (لنلاحظ هنا خوف القانون على سمعة الرجل مقابل قتل المرأة دون وجل).
المادة240
1- إن العذر المحل يعفي المجرم من كل عقاب.
2- على أنه يمكن أن تنزل به عند الاقتضاء تدابير الإصلاح وتدابير الاحتراز ما خلا العزلة.
المادة241
1- عندما ينص القانون على عذر مخفف:
– إذا كان الفعل جناية توجب الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو الاعتقال المؤبد حوّلت العقوبة إلى الحبس سنة على الأقل.
– وإذا كان الفعل يؤلف إحدى الجنايات الأخرى كان الحبس من ستة أشهر إلى سنتين.
– وإذا كان الفعل مخالفة أمكن القاضي تخفيف العقوبة إلى نصف الغرامة التكديرية.
2- يمكن أن تنزل بالمستفيد من العذر المخفف ما كان يتعرض له من تدابير الاحتراز ما خلا العزلة لو كان قضي عليه بالعقوبة التي نص عليها القانون.
المادة242
يستفيد من العذر المخفف فاعل الجريمة الذي أقدم عليها بثورة غضب شديد ناتج عن عمل غير محق وعلى جانب كبير من الخطورة أتاه المجني عليه.
إن كل ما يمكن أن تقوم به المرأة بإرادة حرّة حتى لو كان شريفاً، يمكن أن يجعل ثائرة الرجل تثور باعتبارها خرجت عن أعراف القبيلة وسلطة رجالها، وهذا بالتالي وفق هذه المواد يمكن أن يُبيح قتلها بلحظة غضب وثورة غير مبررة.
المادة548
1- يستفيد من العذر المحل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنى المشهود، أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر، فأقدم على قتلهما أو إيذائهما، أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد.
2- يستفيد مرتكب القتل والأذى من العذر المخفف إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر.
طبعاً هذه المادة عُدّلت بالمرسوم التشريعي رقم 1 لعام2011 الذي عدّل عدداً من مواد قانون العقوبات السوري، وفي مقدمتها المادة548 والمعدّلة سابقاً بالمرسوم رقم37 لعام 2009 وتمّ استبدال مادة أخرى بها، تنص على ألاّ تقل عقوبة القتل بذريعة الشرف عن الحبس مدة خمس سنوات.
صحيح أن التعديلات التي تمّت قد منحت الناشطات/ ين في مجال قضايا المرأة الأمل باعتبارها تعديلات ستُفضي يوماً إلى المساواة بين الجنسين، غير أن حصر مفهوم الشرف بالمرأة فقط دون الرجل أمر مرفوض، وبالتالي يجب إلغاء هذه المادة، والعمل على تجريم المتهم بجناية القتل العمد.
في مجال الزواج العرفي
المادة469
إذا عقد أحد رجال الدين زواج قاصر لم يتم الثامنة عشرة من عمره دون أن يدون في العقد رضا من له الولاية على القاصر، أو أن يستعاض عنه بإذن القاضي، عوقب بالغرامة من مئة إلى مئتين وخمسين ليرة.
المادة470
يستحق العقوبة نفسها رجل الدين الذي يعقد زواجاً قبل أن يتم الإعلانات وسائر المعاملات التي ينص عليها القانون أو الأحوال الشخصية، أو يتولى زواج امرأة قبل انقضاء عدتها.
إن هاتين المادتين متعلقتان بالزواج العرفي، ومعاقبة القيّمين عليه بعقوبة هزيلة وغير رادعة، بل بالعكس هي مشجعة على سيادة الزواج العرفي في المجتمع نتيجة طغيان ذهنية أفضلية التشريع الديني على القانون، بمعنى أن الزواج الصحيح اجتماعياً هو الذي يعقده رجل الدين لا رجل القضاء، وهذا ما يُبقي على هذا النوع من الزواج دون الالتفات إلى آثاره الاجتماعية والنفسية لاسيما على المرأة والأطفال. ومن جهة ثانية يتم بفعل هشاشة وهزال العقوبة في هذه المواد تزويج الأطفال عملاً بما نصّ عليه قانون الأحوال الشخصية في مادتيه(16- 18/1) وهذا ما هو مرفوض نتيجة مجموع الآثار النفسية والصحية والاجتماعية على الأزواج/ الأطفال، وكذلك لتشجيعها على التسرب المدرسي وتفشي الأمية لاسيما عند الإناث.
من هنا نجد ضرورة تشديد العقوبة في هاتين المادتين لتكون رادعة ردعاً حقيقياً، وبالتالي التخفيف من ظاهرة انتشار زواج الأطفال، لاسيما في الظروف الراهنة، إذ بدأت تتفشى ظاهرة زواج القاصر بسبب تردي الأوضاع المعيشية والأمنية في البلاد.
في مجال العلاقات الجنسية
1- الزنى:
المادة473
1- تعاقب المرأة الزانية بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين.
2- ويُقضى بالعقوبة نفسها على شريك الزانية إذا كان متزوجاً، وإلاّ فالحبس من شهر إلى سنة.
المادة474
1- يعاقب الزوج بالحبس من شهر إلى سنة إذا ارتكب الزنى في البيت الزوجي، أو اتخذ له خليلة جهاراً في أي مكان.
2- وتنزل العقوبة نفسها بالمرأة الشريكة.
واضح أن هاتين المادتين تحفلان بالتمييز ضدّ المرأة إذ نجد أن عقوبتها أشد، زوجة كانت أم عازبة، بينما عقوبة الرجل العازب لا تتجاوز نصف عقوبة المرأة، وكأنها هي وحدها من ارتكب جرم الزنى أو شجع عليه. بينما الرجل هو الضحية هنا. وما يلفت الانتباه أيضاً أن عقوبة الرجل المتزوج في حال الزنى لا تتعدى السنتين في أقصى الحالات، بينما عقوبة المرأة المتزوجة هي القتل وفق المادة548. أليس واضحاً وجليّاً تغاضي القانون وتهاونه كما المجتمع عن جرائم الرجل، مقابل تجريم المرأة ومعاقبتها بالقتل إن هي أخلّت بقيم الشرف والقيم الاجتماعية، أو حتى مجرد الشك بسلوكها؟!
2- السفاح:
المادة476
1- السفاح بين الأصول والفروع، شرعيين كانوا أو غير شرعيين، أو بين الأشقاء والشقيقات والإخوة والأخوات لأب أو لأم، أو من هم بمنزلة هؤلاء جميعاً من الأصهرة، يعاقب عليه بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات.
2- إذا كان لأحد المجرمين على الآخر سلطة قانونية أو فعلية فلا تنقص العقوبة عن سنتين.
3- يمنع المجرم من حق الولاية.
إن السفاح من أفظع الجرائم الإنسانية لأنها تطول المحرمات، وبالتالي القضاء على القيم الأخلاقية أو تشويهها لدى الضحية، إضافة إلى فقدان الأمان النفسي والاجتماعي والشعور بالحماية المفروض أن يمنحها الجاني إلى الضحية. لذا نجد أن العقوبة المفروضة لا تُضاهي الجرم المرتكب ولا آثاره البعيدة والقريبة المدى. ومن هنا على المشرّع تشديد العقوبة بما يتلاءم والجرم المرتكب مترافقاً مع معالجة نفسية- سلوكية بعيداً عن محاباة ذكور القبيلة الذين طالما تغنوا بالشرف ووضعوه على أكتاف النساء فقط.
3- الاغتصاب:
المادة489
1- من أكره غير زوجه بالعنف أو التهديد على الجماع عوقب بالأشغال الشاقة خمس عشرة سنة على الأقل.
2- ولا تنقص العقوبة عن إحدى وعشرين سنة إذا كان المعتدى عليه لم يتم الخامسة عشرة من عمره.
المادة490
يعاقب بالأشغال الشاقة تسع سنوات من جامع شخصاً غير زوجه لا يستطيع المقاومة، بسبب نقص جسدي أو نفسي، أو بسبب ما استعمل نحوه من ضروب الخداع.
من الملاحظ أن هاتين المادتين تستثنيان الزوجة من فعل الاغتصاب الذي يقوم به الرجل تجاه الأنثى، في الوقت الذي ترزح فيه مئات النساء تحت وقع الاغتصاب الزوجي، الذي هو من أشدّ أنواع الاغتصاب فظاعة وبشاعة، لأنه يتم من أقرب الناس إلى المرأة، والذي يفترض أن تكون العلاقة معها قائمة على المودة والرحمة والاحترام دون إكراه أو إرغام. هنا أرى أن على المشرّع أن يشمل الزوجة في هذه الجرائم حتى لا تبقى المرأة ملكية خاصة للرجل، يفعل بها ما يشاء دون أدنى اعتبار لإنسانيتها وكرامتها وأنوثتها، أسوة بقوانين الدول المتحضّرة.
المادة 508
1- إذا عقد زواج صحيح بين مرتكب الجرائم الواردة في هذا الفصل وبين المعتدى عليها أوقفت الملاحقة، وإذا كان صدر حكم بالقضية علّق تنفيذ العقاب الذي فرض عليه.
2- يُعاد إلى الملاحقة أو إلى تنفيذ العقوبة قبل انقضاء ثلاث سنوات على الجنحة، وانقضاء خمس سنوات على الجناية، إذا أنهت الزواج إما بطلاق المرأة دون سبب مشروع، أو بالطلاق المحكوم به لمصلحة المعتدى عليها.
معلوم أن هذه المادة عُدّلت الفقرة1 منها بالمرسوم التشريعي رقم1 لعام ،2011 إذ أصبحت عقوبة المجرم الحبس مدة سنتين على الأقل حتى وإن تزوج من ضحيته زواجاً صحيحاً.
ولكن، أعتقد أن زواجاً قام على الاغتصاب والإكراه سيكون زواجاً غير سوي، وسيدمّر نفسية المرأة في كل لحظة، لأنه سيذكّرها دوماً بأن هذا الزوج انتهك كرامتها بغير رضاها. وربما يكون غير كفؤٍ لها من الناحية الاجتماعية والعلمية. ومعلوم أن الكفاءة في الزواج شرط أساسي، ما يجعل من هذا الزواج مقبرة للحياة بكل أبعادها. لذا على المشرّع التشديد أكثر في العقوبة المفروضة والبحث عن بدائل عادلة لا تقتل معها إنسانية المرأة ومستقبلها.
4- التحرّش الجنسي:
المادة506
من عرض على قاصر لم يتم الخامسة عشرة من عمره، أو على فتاة أو امرأة لهما من العمر أكثر من خمس عشرة سنة عملاً منافياً للحياء، أو وجه إلى أحدهم كلاماً مخلاً بالحشمة، عوقب بالحبس التكديري ثلاثة أيام، أو بغرامة لا تزيد عن خمس وسبعين ليرة، أو بالعقوبتين معاً.
تفاقمت ظاهرة التحرّش الجنسي في المجتمع بصورة مقززة لم تستثنِ صبيةً ولا عجوزاً، وفي هذا اعتداء صارخ على حرية المرأة وكرامتها، والنظر إليها على أنها أداة متعة وتسلية لأولئك الشّاذين في المجتمع. ولا يفوتنا الاعتداء الجنسي على الأطفال أو التحرّش بهم دون رادع. وهذا يؤثر بشكل غير مباشر على التكوين النفسي والقيمي والأخلاقي للطفل على المدى البعيد، مخلّفاً صدمة نفسية يصعب تلاشيها في كثير من الحالات مما يؤدي إلى خلق نظرة سلبية ومريبة إلى الجنس الآخر. وأمام كل هذه النتائج نجد أن العقوبة المفروضة في هذه المادة لا تتوافق والجرم المرتكب.