حتى تثبت براءتك

تنتزعك الحاجة، حتى من أحلامك، فجراً. فتنهض، ترتدي قميص الأمل تحت الثياب، تتناول أكبر لقيمات العزم مع الفطور، تشرب أكبر جرعة من الصبر والمصابرة مع فنجان القهوة. ثم تحث الخطا إلى العمل، لاهجاً قلباً ولساناً، بكفاف يومك، من الحب والخير والجمال.

تسير في الطريق مدججاً بغريزة البقاء، متأبطاً شريعة حقوق الإنسان، تحف بك خدمات الزمن الأزعر، وتحتفي بك استنسابية الواجبات الوطنية، وعشوائية (قانون الاحتمالات): فما دمت أحد ساكني الضواحي، فإنك تنتظر صباحاً على الطريق، إلى أن يفوت ميعاد وظيفتك من دون أن تحظى بمكان شاغر في سيارة عابرة. فتعود إلى المنزل سالماً إلا من كسر الخاطر.

وإذا وجدت مركوباً، فقد يطلع لك الإرهاب من داخل السيارة التي تقلك.. قد ينتظرونك على حاجز طيار، قد يطلقون على حافلتك من مكان مجهول، على أحد جانبي الطريق.. قد تكون  راجلاً أو راكباً  عرضة لخطر إطلاق نار متبادل.. وقد تكون ضحية حادث سير عادي، مع سواك من المسافرين.

في الاحتمالات المارقة كافة وفيما شابهها (أو كان منها مدانياً). من المتوقع أن تتغير وجهة سفرك وتصعد لملاقاة الرفيق الأعلى. أما إذا كتبت لك السلامة وتابعت طريقك (سلحفاتياً) من حاجز إلى آخر، فستمضي بك الاحتمالات إلى غير مقلب وغير اتجاه.

قد تختلف مع أحد العناصر على حاجز ما، لأسباب لا تخطر على بال.. قد تختلف مع السائق الذي يطلب أجرة مضاعفة، بذريعة أو بأخرى، قد تختلف مع راكب شاب مقنفذ الشعر مستأصل الشعور، لأنك رجوته عدم التدخين في السيارة.

وأخيراً وليس آخراً لا تستطيع إلا أن تختلف مع مديرك في العمل الذي يفرض عليك الالتزام كجندي أو كتلميذ، بموعد الدخول إلى مكان العمل والخروج منه. وكأن لا أزمة عندنا ولا حرب ولا كوارث ولا من يحزنون.

وبعد ذلك تعود إلى بيتك الذي تملكه أو الذي هُجّرت إليه، وكلّك شعور بأنك  كمواطن  أمضيت نهارك مداناً، بل ومتهماً أحياناً في وطنيتك، حتى تثبت براءتك!

العدد 1190 - 11/03/2026