واشنطن ومحاولة القضاء على إرث تشافيز

خلال العقدين الأخيرين شهدت أمريكا الجنوبية تغيرات في التوجه السياسي الرسمي والمزاج الشعبي نحو اعتناق الفكر اليساري، ومحاربة المطامع الرأسمالية الدولية والبرجوازية التي كانت تسيطر على مقاليد الحكم في البلاد منذ منتصف القرن العشرين. واستطاعت دول هذه المنطقة تحقيق معدلات نمو مرتفعة انعكست على مستوى معيشة المواطنين فيها، بعد أن اعتمدت مبدأ العدالة في توزيع الثروات على الجميع. ورغم وصول اليسار إلى السلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة إلا إنه ما يزال يعاني من محاولة واشنطن منعه من تحقيق أهدافه في منطقة تعتبرها الإدارة الأمريكية حديقتها الخلفية، لذلك تحاول حياكة المؤامرات عن طريق البرجوازية المحلية التي تضررت مصالحها من الإجراءات التي تقوم بها الحكومات اليسارية في أمريكا الجنوبية.

وكان النصيب الأكبر من هذه المؤامرات من نصيب فنزويلا لموقعها الهام في تجارة النفط الدولية التي ترغب واشنطن أن تكون تحت سيطرتها بالكامل. فقد خططت واشنطن لتنفيذ انقلاب ضد هوغو شافيز، بعد أن بدأ بتنفيذ سياسته الإصلاحية المتعاكسة مع مصالح البيت الأبيض في المنطقة، لتعيش أمريكا اللاتينية أطول48 ساعة في تاريخها احتبست خلالها أنفاس قادة منظمة أوبك. فقد عاشت فنزويلا خلال يومين (11 – 13 نيسان 2002) أسرع انقلابين في التاريخ.

الانقلاب الأول (عسكري) أطاح بالرئيس هوغو شافيز المنتخب من الشعب عن طريق صناديق الاقتراع. والانقلاب الثاني (مدني) أعاد الرئيس مرة أخرى إلى قمة السلطة وقيادة البلاد. وعندما جاء جنرال المظلات شافيز إلى مقعد الرئاسة في فنزويلا، انقسمت الآراء حول الحدث. فالفقراء هللوا لنجاحه وقد سحرهم بخطابه الصادق الحماسي وشخصيته الجذابة وبرنامجه الانتخابي الذي تعهّد فيه بإجراء إصلاحات جذرية هدفها تحقيق العدالة الاجتماعية وإحداث توازن طبقي من خلال حسن توزيع الثروة البترولية.

جزء من (الإنتلجنسيا) راهن على التوجهات الاجتماعية للرئيس المنتخب، بينما رأى الجزء الآخر فيه زعيماً ديماجوجياً شعوبياً له ميول انتهازية. أما طبقة الأغنياء ورجال الأعمال فقد اعتبروا شافيز مجرد نسخة مكررة من جنرالات أمريكا اللاتينية، الذين يحسنون التحدث للجماهير ويحبون مظاهر السلطان، وسرعان ما ينغمسون في نعيم الأبهة والفساد السياسي ناسين أحلام الفقراء. وقد بدت شخصية شافيز محيّرة ومثيرة للتساؤلات، وباتت تجربته هي محك الحكم على أصالته أو زيفه. لكن تجربته نجحت وحققت نقلة نوعية في تاريخ أمريكا اللاتينية، وجعلت المواطن الفنزويلي يصوت بالتأكيد على خطه السياسي عندما منح ثقته لخليفته نيكولاس مادورو.

كما حدث مع سلفه، لم تهدأ واشنطن في محاولاتها الحثيثة لزعزعة الوضع في كراكاس وضرب النظام المعادي لها. وهذه المرة سعت إلى انقلاب جديد على حكمه وخطه السياسي اليساري عبر رئيس بلدية كراكاس أنطونيو ليديزما الذي يعدّ من شخصيات المعارضة اليمينية في البلاد. وما أن فشل الانقلاب حتى سارعت واشنطن كعادتها دائماً إلى التنصّل من مسؤولية المحاولة الانقلابية الضالع فيها رئيس بلدية كراكاس.

فصرحت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، جنيفر بساكي: إن الاتهامات لا أساس لها وخاطئة. ودعت فنزويلا إلى (الكف عن محاولات تحويل الانتباه عن المشاكل الاقتصادية والسياسية في البلاد) بتلك الاتهامات، وإلى (السعي لإيجاد حلول حقيقية) عبر حوار ديموقراطي. وأضافت (لكن على الرغم من الصعوبات في علاقاتنا الرسمية، تبقى الولايات المتحدة ملتزمة بالإبقاء على علاقات قوية ودائمة مع الشعب الفنزويلي).

خطورة محاولة الانقلاب هذه تمثلت بوجود بعض قادة سلاح الجو فيها، الأمر الذي كان من الممكن في حال نجاحه أن يكون دموياً جداً، ذلك أن سلاح الجو في أي جيش في العالم يتكون من أعداد قليلة من الضباط والأفراد الذين يتمتعون بإمكانية قتال مركزة، ويملكون قدرة نارية عالية باستطاعتها القضاء على أي قوة عسكرية أخرى بسهولة نسبية.

لقد أصبح واضحاً في أمريكا الجنوبية أن الديمقراطية أصبحت (اللعبة الوحيدة في المدينة)، فقد ارتضت جميع الأطراف السياسية قواعد اللعبة، والعمل في إطارها، سواء بالمعارضة، أو بتسيير الحكم، واحتواء المطالبات المتجددة للمواطنين. وعليه، فلم يعد هناك سبيل سوى المواءمة أمام الأطراف السياسية، سواء بالنسبة للتيار اليساري الذي أثبت مرونة عالية وكفاءة سياسية جعلته يحقق قفزات ملموسة في شتى المجالات تركت أثرها على مستوى حياة المواطن في أمريكا اللاتينية، أو لتيار يمين الوسط الذي بدأ يجنح لأن يكون أقل محافظة وأكثر قرباً من هموم سكان البلاد الأصليين، بعد أن كان نادياً مغلقاً للمواطنين من أصول أوربية، وأكثر تجدداً في سبيل البقاء والمنافسة. أما الولايات المتحدة الأمريكية، فلم تكتشف، حتى الآن، التغيرات التي جرت في العالم، وأن تجربة الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني مصدق بعدما أمم النفط غير قابلة للتكرار، لأن فنزويلا أصبحت تملك مجتمعاً مدنياً قوياً مؤمناً بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وأنها ليست بالتأكيد إحدى جمهوريات الموز التي تضع لها واشنطن رئيساً في الصباح لتخلعه في المساء.

 

العدد 1188 - 25/02/2026