رئيس الصين ينتقد الشكلانية المعمارية في بلاده

يبدو أن الرأسمالية الناشئة في الصين والتراكم المالي هيّأا الأرضية لتنافس كبير في قطاع الإنشاءات، والأبراج العالية على وجه الخصوص، كما فتحا الأبواب أمام الشركات الهندسية المتعددة الجنسيات لتقدم عروضها لتحديث حواضر الصين العملاقة. وقد وفرت سياقات التنافس بين الشركات الإنشائية والمؤسسات العقارية المناخ، لتقديم ما هو جديد، مميز ومبتكر، بل أصبحت الصين في السنوات الأخيرة – كما أغلب دول الخليج- أرضاً خصبة وحقلاً تجريبياً لتحقيق أحلام المهندسين المعماريين، لدرجة أن عرفت هذه البيئات الحضرية الجديدة بمختبرات الهندسة المعماريةarchitectural laboratory) ) ولم تتوقف المسألة ضمن سقف الاختبار الأكاديمي، وإنما تجاوزتها وشطحت لتحقيق هوس المنافسة، وإشباع جنوح خيال بعض المعماريين والمكاتب الهندسية. فقد وضعت تصاميم لأبراج غريبة الشكل، متجاوزة بتصاميمها تلك كل المدارس المعمارية، والمقاييس والمعايير الهندسية، ومنها عدم تحقيق توافق بيئي، ولا احترام التراث الثقافي المعماري العريق في الصين. إضافة إلى ذلك شكلت تلك التصاميم (صدمة ثقافية)، وسببت تلك الأشكال المستعارة من أدوات وبنى هيكلية غير معمارية خللاً كبيراً في وظائف المبنى نفسه، إذ تراجعت مردودية فراغاته الخدمية والترفيهية، وتطلبت عملية التشييد غير المعتادة هدراً كبيراً في مواد البناء.

هذه الظاهرة المعمارية والنزعة الشكلانية التي افتقرت إلى الإبداع والانسجام مع المحيط الحضري، المترافقة مع التوسع المديني الصيني، لفتت انتباه العديد من المنظمات والجهات المختصة، وكذلك عدد من السياسيين، فأثارت انتقاداتهم، إضافة إلى تهكم بعض المخططين والمعماريين، لدرجة أن تم توصيف المشهد المعماري بأنه (راديكالي لدرجة الفضائحية).

بلغت هذه الانتقادات الذروة حين أغضبت الرئيس الصيني شي جين بينغ، (وهو من مواليد 1953 متخصص في الإيديولوجيا الماركسية – حصل على الدكتوراه في القانون عام 2002)  ليتحدث عن هذه الظاهرة، ضمن سيمنار خاص بالفن عقد أواسط شهر تشرين الأول 2014 وذلك حسب صحيفة (الغارديان) البريطانية، ومما قاله الرئيس الصيني بهذا الصدد: (يجب أن يخدم الفن المجتمع، وعلى الفن المعماري أن يكون كالشمس الساطعة في سماء زرقاء، أن يكون كنسيم الربيع ينعش العقل، ويدفئ القلب، علينا التخلص من هذه الأشكال، من المباني الغريبة…) (الغارديان 23 تشرين الأول 2014). صحيح أن الرئيس قد تحدث عن الفن عموماً، لكنه ركز على العمارة، واصفاً بعض المباني بالغريبة و(القبيحة، تلك التي صممت من قبل الآخرين). وخص بالتسمية (مبنى غالاكسي شو)، الذي صممته المعمارية العراقية زها حديد. بصرف النظر عن تفاصيل ما قاله الرئيس الصيني، وبعيداً عن انتقاداته، إذ ليس مطلوب منه أن يكون ناقداً معمارياً، لكنه محق في السياق العام، لأن المعضلة التي تواجه الصين تعد صيغة نموذجية لما تواجهه الكثير من المجتمعات الشرقية، وخاصة تلك التي تتسم بالثراء والأصالة، والتي تتراجع عاماً بعد آخر أمام هجمات العولمة ومايتبعها من تشوهات.

 يبدو أن الغزوة الحضارية – الرأسمالية المتعددة الجوانب والأبعاد، باتت تهدد أحد أكبر الحضارات خارج العالم (الغربي)، وتعرّض ثقافتها عموماً وتراثها المعماري وبيئتها المكانية خصوصاً، لخطر التدمير والتشويه، فالتراث المعماري الصيني يواجه خطر الانحسار والانكماش إزاء جنون الفنتازيا المعمارية، والتنافس الرأسمالي. جاء هذا التحول ضريبة لعملية تحديث الاقتصاد الصيني ورسملته، لكنها ضريبة فاقت تصورات النخب الصينية نفسها، فلم يتخيلوا يوماً أن ثقافة الصين العريقة معرضة للتهديد بهذا القدر.

إن السياسات التي أسس لها ديانغ سياو بينغ قبل ثلاثين سنة لتنطلق بلاده بصيغة اقتصادية هادئة، والتي وضعت الصين فعلياً في مصاف الدول الثلاث الأكبر اقتصادياً في العالم، لم تتمكن حتى الآن من الصمود في وجه سيل التغريب والعولمة الجارف. ما هو واضح أن الصين ستدفع ضريبة تقدمها الاقتصادي المصاحبة لعمليات التحديث وعولمة جوانب متعددة من حياتها الاجتماعية، فأبراج الصين الجديدة قد كشفت بشكل بصري ملموس أن أكثر الثقافات الشرقية خصوصية وأصالة تواجه حقيقية الانحسار والزوال.

ومازالت تداعيات موقف الرئيس تتفاعل، فالجهات الحكومية، الأكاديمية والبلدية المعنية في الصين تجتمع باستمرار للتوصل إلى تحديد دقيق واتفاق حول ما قصده الرئيس من مصطلح (العمارة الغريبة) التي انتقدها، سعياً منهم لترجمة توجهات الرئيس الصيني ذات الطابع (الإيديولوجي)، وللقيام بخطوات عملية ونظرية أكاديمية لتصنيف العمارة الغريبة وتوصيف سماتها، ولاستبعاد التصاميم غير المرغوب بها  ثقافياً، ولكي لا تعد هذه الإجراءات قد انبثقت من إيديولوجية (محافظة). علماً أن صحيفة (نيويورك تايمز) (عدد 19 كانون الأول 2014) قد أشارت إلى أن ظاهرة العمارة الغريبة بلغت الذروة، وربما وصلت إلى نهايتها في الصين، مع التلميح إلى أن البعض يعد موقف الرئيس الصيني هذا داعماً للاتجاهات المحافظة في مجال الفن والعمارة على أقل تقدير.

العدد 1195 - 23/04/2026