البيئة التاريخية للوهابية (1من2)

من المفيد أن ندرس الأسباب المادية وراء النهج الإقصائي التكفيري العنيف للجماعات الإرهابية مثل (داعش). فهناك أسباب تتعلق بموقع هذه القوى في لعبة العلاقات الدولية والاستخبارات العالمية. كما أن لها أسباباً عقائدية تتمثل بتبني هذه القوى المذهب الوهابي السلفي. لذا نرى أنه من الضروري أن نلقي الضوء على التاريخ الحقيقي لانطلاق الوهابية بعيداً عن الأساطير، والتعرف ضمنياً على أسباب جاذبية مثل هذه العقيدة اليوم لمشاريع الإرهابيين المغامرين الذين أطلقوا (داعش) و(النصرة) و(القاعدة).

أساطير نشأة الوهابية

قدّم الشهيد ناصر السعيد عرضاً تاريخياً لأصل الوهابية وآل سعود، واعتمد قصيدة منسوبة للشاعر النجدي النقدي حميدان الشويعر، مفاده أن آل سعود يعودون بنسبهم إلى تاجر حبوب يهودي عراقي من مدينة البصرة اسمه مردخاي، قدم نجد عام 1447 بصحبة قوم من قبيلة عنزة، وتمكن بشكل ما بأن يقنعهم بأنه منهم. وبحسب الأسطورة فإن نصاباً يهودياً آخر من مدينة بورصة التركية اسمه سليمان سيكون جد محمد بن عبدالوهاب. وهكذا يكون أصل الوهابية مؤامرة يهودية في قلب نجد مرتبطة وفق مصادر أخرى بكونها مشروعاً مخابراتياً بريطانياً يهودياً بدوياً ضد الخلافة العثمانية. تذكرنا هذه السردية الأسطورية باستنتاج الباحثة الدنماركية باتريشيا كرونة في كتاب (الهاجرويون) المثير للجدال حول أنّ الإسلام في القرن السابع للميلاد ما كان سوى مؤامرة (يهودية بدوية)! ولكننا نرى أن نستفيد من الدراسات الحديثة التي قدمها باحثون سعوديون مثل عويضة الجهني ومحمد الفريح وخالد الدخيل حول الظروف التاريخية لتشكل الملة الوهابية، بدلاً من قصيدة ابن شويعر التي تنتمي للأدب السياسي الهجائي في نجد القرن الثامن عشر ميلادي.

سافلة نجد

تنقسم نجد إلى أصقاع عدة، وما يهمنا منهم هنا هو سافلة نجد التي تقع إلى الجنوب، والتي عرفت تاريخياً أكبر تجمع للحواضر المستقرة في الجزيرة العربية بعد اليمن. ومن مناطقها العارض والتي عرفت قديما باليمامة، وهي المنطقة التي ستولد فيها الحركة الوهابية والتي بالتالي سيدور معظم حديثنا عنها. فبفضل وفرة المياه نسبياً، صارت الزراعة ممكنة، وبفضل مرور طرق التجارة ومسار القبائل المهاجرة شمالاً نمت فيها الحواضر.

قاوم أهل هذه المنطقة انتشار الإسلام بقوة قبل أن يفرض عليهم. كما نال أهلها نصيباً من سيوف الأمويين وهجّر بعضهم، ووطن في بلادهم بعض من موالي الشام. وظلت هدفاً لغزوات أشراف الحجاز وشيوخ الإحساء حتى القرن السابع عشر (AlJuhany: 2002).

وتفيد المصادر التاريخية أن اليمامة أو نجد بشكل عام، لم تكن حنبلية قبل القرن الخامس عشر، وهو المذهب الفقهي الذي انطلقت منه الوهابية، بل إن يمامة نجد مثلاً كانت موطناً لكثير من الخوارج، وخضعت لاحقاً لحكم الخضيريين الزيدية، كما تعرضت لعنف القرامطة حكام الإحساء. وبعيد انهيار حكم الخضيريين في القرن الحادي عشر للميلاد بدأت نجد تمر بمرحلة انحدار مريعة، تمثلت بموجات جفاف قاسية، أدت إلى انهيار الحياة الحضرية وسقوط الممالك وتبدل طرق التجارة واشتداد الغزوات البدوية مما تسبب في النهاية بهجرة معظم أهلها.

ولادة نجد الحديثة

بعد الأزمة المناخية والسياسية الكبيرة التي ألمت بنجد، بدأت الأوضاع بالتحسن مرة أخرى منذ منتصف القرن الخامس عشر، مع ازدياد معدلات المطر لتصل إلى أوجها في القرن السادس عشر، خصوصاً في سافلة نجد مثل العارض والوشم وسدير والقصيم، مما سمح بانتعاش الزراعة مرة أخرى، وكان لانتعاشها دور في زيادة عدد السكان واستقرارهم (AlJuhany: 2002, p60).

لقد ولدت الوهابية في منطقتنا واستمدت جذورها من تراثنا ولم تأتِ من مكان آخر، ولكن عاملاً آخر ساهم في تشجيع الاستقرار، فحسب دراسة محمد الفريح، فإن نمو التجارة البرية لعب دوراً مهماً في نمو الحواضر النجدية كمحطات تجارية. فبعد أن سيطر الأوروبيون على الطرق التجارية مع آسيا وأفريقيا في القرن السادس عشر، أخذت التجارة العربية في الخليج العربي وما يتبعها من صناعات وحرف بالانهيار، وهذا ما دفع التجار للاستثمار بالتجارة البرية مع الشام ومصر من سواحل الخليج، وكان لاكتشاف القهوة في اليمن دور في تعزيز أهمية التجارة البرية والمستوطنات التي مرت بها قوافلهم. وبالمحصلة فقد كانت تقدر أعداد الإبل في بعض هذه القوافل الآتية من الخليج مثلاً 15 ألف بعير أحياناً. أضف إلى ذلك الجهود الكبيرة التي قامت بها الدولة العثمانية لتشجيع الحج عبر دفع ما سمي (بالصرة) لشيوخ القبائل لتأمين طرقه، ما خلق طلباً كبيراً على الإبل. فكان للتجار النجديين دور كبير في ربط بلدان المشرق ببعضها، ومنهم فئة العقيلات ممن جنوا أرباحاً كبيرة (الصويان). كما سينجح النجديون في تأسيس إمارات جديدة كإمارات آل الصباح وآل خليفة وآل ثاني وآل سعود في القرن الثامن عشر، وهو ما سيقدر لهم أن يهيمنوا على حياتنا وثقافتنا وأمننا وهويتنا حتى اليوم. ساعدت هذه التحولات في نمو بقايا الحواضر النجدية القديمة أو إحيائها وإقامة أخرى جديدة مثل العيينة والدرعية وثرمدا والرياض وعنيزة. وكانت معظم هذه الحواضر قد حظيت بحكام عُرفوا بالرؤساء، وقد كانوا حريصين على تشجيع الاستيطان. وكان هذا النمو الحضري الزراعي الجديد قد تم على أسس أسرية وفردية لا قبلية. فكان معظم أفراد الحواضر من أصول عشائرية مختلفة ولربما كان أغلبهم ينتمي لفئة الخضيريين وهي تسمية تطلق على سكان الحواضر الذين ضاع نسبهم، مقارنة (بالقبليين) أي من ما زالوا يحتفظون بأصولهم وصلاتهم القبلية. وأغلب الظن فإن آل سعود كانوا من فئة الخضيريين أي من السكان الحضر الذين من الصعب تتبع أو إثبات أصولهم القبلية.

ومع ذلك، فإن هناك من حاول إثبات أنهم يعودون بنسبهم لبكر بن وائل أو عنزة أو بني حنيفة، ولكن ذلك غير مؤكد، وعلى الأغلب فإنه تم لأغراض سياسية داخلية. ويمكننا ملاحظة أن الخضيريين يحملون صفة تبعية لآخر سلالة حضرية حكمت نجد، بالضبط كما يفعل السعوديون اليوم إذ يحملون صفة تبعية السلالة التي تحكمهم.

عصر القضاة

التنوع القبلي والاجتماعي بين سكان الحواضر النجدية الجديدة خلق أزمة هوية، هي في جوهرها قانونية. فلم تعد الأعراف القبلية المتنوعة والمحدودة تفي بحاجة الحضريين ولا تنصف المتخاصمين حول أصول البيع والشراء والإرث والقصاص والضرائب وغيرها. إضافة إلى ذلك، كان رؤساء الحواضر غير مقيدين بشرع ولا قانون يتوافق عليه الناس. وكثيراً ما كانت الحواضر تدار إما بالأعراف أو بآراء الرؤساء وبعض كبار السن والأطراف الأخرى القوية في البلاد. ويبدو أن بعض الناس لا سيما من شريحتي التجار والزراع شعرت بالحاجة لقضاة ولشريعة يحتكمون لها خصوصاً في الحواضر الكبيرة كالعيينة وعنيزة لضمان حقوقهم. وانتقد (حميدان الشويعر) الذي مر معنا في قصائده ظاهرة الرؤساء العتاة على الفقراء والجبناء أمام غزوات البدو والأشراف الحجازيين، ما تسبب بهجرة الأهالي لقراهم احياناً. الرؤساء من جانبهم حصنوا أنفسهم (بالفديوية) وهم مرتزقة من البدو أو الحضر مهمتهم حماية الرئيس ونفوذه.

ومن هنا بدأ عصر القضاة، ليس لأنهم كانوا قد حازوا مركز الصدارة في مجتمعهم، ولكن لأن ظهورهم فيه كان لربما أهم تطور سياسي في نجد في تلك الحقبة. وأول تحدٍّ شرعي لسلطة الرؤساء والعشائر.

أخذ الشباب النجديون بالهجرة إلى دمشق والقاهرة بغرض التتلمذ على يد كبار الحنابلة منذ القرن السادس عشر على أقل تقدير. وأظهر هؤلاء الطلبة حماسة في طلب العلم، مما مكنهم بحلول القرن التالي من أن يجعلوا نجد أحد أهم مراكز الفقه الحنبلي إلى جانب مصر والشام.

ويلاحظ أن الغالبية الساحقة منهم لم يدرسوا سوى الفقه، ولم يجدوا في تعلم أصول الحديث والتفسير واللغة وعلم العقيدة سوى رفاهاً لن يحتاجوه في بيئاتهم. فهم رأوا بالفقه قانوناً يمكنهم من خدمة مجتمهم كقضاة ومفتين وأئمة (AlJuhany: 2002, p136).

ولكن عودة هؤلاء الفقهاء الجدد لم يكن سلساً، فالكثير من الحواضر الصغيرة لم يقبل بهم، بسبب معارضة الرؤساء. حيث أن هؤلاء ما كانوا ليسمحوا بوجود مراكز قوة اجتماعية تطبق شرعاً يقيد سلطتهم (AlJuhany: 2002, p99). وهذه المسألة بالتحديد سيتعامل معها محمد بن عبد الوهاب على أنها شرك بالله كما يرى خالد الدخيل (الدخيل 2013: ص126-127). وأدت بعض هذه المواجهات بين الفقهاء الجدد والرؤساء إلى حوادث دموية أو ضغط تسبب بهجرة هؤلاء الفقهاء وتنقلهم بين الحواضر، كما حصل مع والد الشيخ محمد بن عبدالوهاب (AlJuhany: 2002, p99). ويبدو أن نفوذ القضاة ظل محدوداً ومرفوضاً من قبل الزعامات السياسية ومقتصراً على الحواضر الكبيرة كالعيينة وعنيزة. أما محمد بن عبدالوهاب نفسه فقد درس على يد شيوخ السلفيين في نجد والعراق، إذ يقال إنه درس في الموصل على يد الملا حمد الجميلي، وتأثر بالشيخ السلفي أحمد بن كولة المعادي للصوفيين (الكبيسي: 2013).

 

عن (الأخبار)

العدد 1195 - 23/04/2026