متشابهون
الصباحات لا تتشابه، هي دائماً في اختلاف، سواء في موعد قدومها، أو في درجة دفئها، في صفاء سمائها أو كثافة غيومها. حتى هذه الصباحات الشتائية يختلف بعضها عن بعضها الآخر، هي الحركة الكونية، تجعل من الثبات أمراً مستحيلاً، لا شيء يثبت على حال، ولا شيء يصير إلى ما كان عليه. حركية الوجود تعطي الحياة للزمان والمكان، أجل للأزمنة حياتها، وللأمكنة أيضاً، كما لكل شيء حياته، حياته المفارقة للسكون، والمندفعة عنوة إلى حيث قلقلة المكان من حولها، لتندمج مع محيطها الجديد في حركة دائمة.
لسطوح القرميد أيضاً خصوصيتها، كما للبيوت الطينية في الأرياف، وكما لأبنية المدن. حتى الأسطحة لا تتشابه سوى في بعض وظائفها. الأشجار في الحدائق وفي الغابات تتناسق بتلقائية، لا تهتم لأحد يهندس تناسقها، ولا أحد يفعل ذلك. أسراب الطيور في السماء، وأفواج الغيم، وأسرّة الأنهار. إنه الاختلاف، ذاك الذي يضبط تنوّع مفردات الكون، ويعطي معنى للأشياء وللمفاهيم، إنه الاختلاف وقد فرضه خالق الوجود على الوجود.
لا شكّ أن للاختلاف ثقافته، فإن لم تقترن حياتنا بتلك الثقافة سنبقى حيث نحن، ضائعين في مساحة ضيقة، لا تتسع لنا مع الآخر، بل لا تتسع إلاّ لنا. مساحة لا نقبل باتّساعها ما لم نضمن تآلفنا وتآخينا وانسجامنا مع من يحلّ جديداً. بهذه الذهنية نتعامل مع من حولنا منذ أن أغمضنا عيوننا عن اختلاف الصباحات والسطوح والعصافير، وبهذه الذهنية أيضاً نمضي باتجاه مستقبل نضمن أنه آمن، وهو كذلك بالفعل، لأنه ضيّق، أجل… مستقبل ضيّق على مقاسنا. وهكذا ننغلق على أنفسنا، واضعين أمامنا شعاراً واحداً ووحيداً (كفى الله المؤمنين شرّ القتال)! أما الشعارات الأخرى التي لا تنسجم مع ضيق آفاقنا فنستبعدها. ولأننا دائماً نعتبر أنفسنا المعنيين الذين كفانا الله شر القتال، فقد أسقطنا الإيمان عن غيرنا، واحتكرناه.
ما نعيشه ونلمسه يومياً يؤكّد انغلاق الكثيرين منا على إيمان كاذب ومخادع، إيمان لا يلبث في أية لحظة أن يتكسّر كقشرة تافهة، ليظهر ما يخفيه من بشاعة ونفاق وخديعة، ينكشف الجوهر الذي تغطّى بإيمان ظاهري، أو (ظواهري)، وحين ينكشف لا يبقى سوى أن يجاهر أصحابه بصراحة مقيتة، حيث لم يعد المجال متاحاً للتستّر والتخفّي. تظهر الأنياب والمخالب، وتتحرشف الجلود، ويتحفّز أصحابها بإيمانهم الكاذب، لينقضّوا بيأس أعمى على من احتواهم بمحبة في مساحة جغرافية ضيقة، وبمساحة من المحبة لا يحدّها اتّساع.
ثقافة الاختلاف تعني في ما تعنيه قبول الآخر بالحدّ الأدنى من المحبّة، مهما كان هذا الآخر، حتى الخصوم والأعداء، نتقبّلهم خصوماً وأعداء. لا يحقّ لنا أن ننزع عنهم حقهم في العيش والحرية والكرامة. هكذا علمتنا الأديان جميعها، الأديان التي جعلتنا مؤمنين إن كنا حقاً كذلك، قبل أن يكفينا الله شرّ القتال. ثقافة قبول الآخر أكثر ما تتجلّى في الأزمات، فهل أثبتنا أننا نمتلك هذه الثقافة خلال الأزمة التي يمر بها بلدنا الحبيب؟ أم أننا انكفأنا إلى طائفية مقيتة، تجعل منا أشبه بكائنات قادرة على الحركة عبر أجهزة تحكّم يمسكها جهلة لفظهم زمانهم إلى زماننا، ليكونوا أسياداً ومتأمّرين، وفي الحقيقة فهم لا يحملون سوى التخلّف والجهل والخرف. ونحن الذين ورثنا عنهم آلهة من حقد وكراهية ورفض كل ما ينتجه فكر حضاري ومنفتح، لنقبع في زوايا اخترناها لأنفسنا ضيّقة، تسمح لأنيابنا بالظهور، ولجلودنا بالتحرشف. ومع كل ذلك ما زلنا ندّعي أن الله خصّنا وميزنا عن غيرنا من البشر جميعاً، لننعم بعطاءات الإيمان الذي نمتلكه، والذي يكفينا شرّ القتال؟!