إهداء الخلصاء وحوارهم المعرفي
استوقفتني، وأنا أعيد قراءة (متمرد) ألبير كامي في نسختها النادرة التي ترجمها إلى العربية عبد المنعم الحفني أواسط ستينيات القرن الماضي، المقدمة التي كتبها مترجم الكتاب، وعنوانها (إهداء)، ووجهها إلى الأستاذ محمود أمين العالم، وضمنها أفكاراً وملاحظات وتساؤلات وموضوعات خلافية وتقديراً لمكانة الأستاذ العالم الثقافية والفكرية والسياسية، تشكل بمجموعها حواراً معمقاً حول قضايا معاصرة، من بينها خيارات الترجمة وشجونها، والسجالات حول الوجودية والرأسمالية والاشتراكية، والصراع الدولي إبان الحرب الباردة، وتطلعات جيل الشباب وسبل ملاقاتها.
وكان الحفني قد أنجز ترجمة لعمل آخر من أعمال كامي هو كتاب (أسطورة سيزيف)، وكتب محمود أمين العالم مقالة في مجلة (المصور) في تموز عام 1964 رحب فيها بترجمة الكتاب، ورأى أنه من عيون الثقافة الأوربية المعاصرة، وأننا أجدر بالتعرف عليها ومتابعتها، ورأى (أن في الثقافة الأوربية اليوم ما هو أهم من هذا الكتاب وأجدر بالترجمة، ودعا إلى قراءة الكتب المؤلفة أو المترجمة التي تعنى بالفلسفة الوجودية قراءة نقدية فاحصة، وإلى تخطيط الترجمة والتأليف بما يتفق وحاجات بناء الاشتراكية في مصر). ولاحظ الحفني أن هناك تناقضاً في كلام العالم، وعاتبه قائلاً: كيف يكون كتاب من عيون الثقافة الأوربية، ويكون هناك ما هو أجدر منه بالترجمة؟ وتساءل: لماذا لم تذكر لنا عناوين كتب أجدر بالترجمة؟
وأضاف: كأنك ألقيتنا بحجر، وتركتنا بين يدي قارئ يحبك ويحترمك، وقد بدأ يشك في نوايانا. واقتطف الحفني عبارات من مقالة العالم امتدح فيها كامي وفلسفته المستندة إلى (صخرة سيزيف). التي ترى الإنسان في مواجهة اللامعقول، يتمرد ويعايش، ويعود من القمة كي يدحرج الصخرة من جديد، ورأى أن أدب كامي بصفة عامة هو دفاع عن الفرد في مواجهة الاستبداد والطغيان، أياً كانت طبيعته ومصدره، ولكنه عاد فانتقد رؤياه العاجزة، التي لم تر (قوانين انتصار الاشتراكية)، إذ إنه يتذرع بأخطاء في التطبيق الاشتراكي (آنذاك) ليدين المجتمع الاشتراكي سواء بسواء كما يدين المجتمع الرأسمالي. وتوالت المحاورة (الإهداء) لتتناول نظرة العلم إلى المذاهب الفلسفية، وملاحظات الماركسيين على الوجودية بأنها فلسفة تأملية بورجوازية تدعو إلى الاستسلام واليأس، وردّ الوجوديين وفي مقدمتهم سارتر على أن الوجودية مذهب إنساني، وهي فلسفة حرية وإيمان بالفرد ودعوة إيجابية إلى العمل، وقد ناصرت قضايا الحرية في كل مكان، وشدت من أزر الحركة العمالية في العالم. كما تناول الحفني في ( إهدائه) قضية العلاقة بين النظرية والممارسة، ورأى أن الأساس في كل نظرية هو تجليات التطبيق، وقدم رؤية مغنية بيّن فيها أن الاشتراكية إن استطاعت أن تحل مشكلة الإنسان الاقتصادية فإنها لن تحل جذرياً مشكلاته الميتافيزيقية والنفسية والكونية!
ودعا الحفني إلى عدم التعجل في الحكم على النظريات والفلسفات قبل فهمها، مثلما يفعل بعض الشبان، أو المتعصبين الجامدين. وختم الحفني مقدمته (المتمردة برهافة) مؤكداً مكانة الأستاذ العالم وحضوره في الساحة الفكرية وقال: فإذا كنت قد كتبت لك هذه المقدمة، وأهديتك جهدي المتواضع، فما ذلك إلا لأني أحببت فيك روح سيزيف، وأحببت إصرارك الإرادي على حمل الحجر والصعود به المرة تلو المرة، ولأني خشيت المزيد من لومك وعتابك الرقيق غير المباشر، ثم لخوفي من انصراف قرائك عني، وأنا حريص عليهم- فهم خلاصة المثقفين والنابهين – حرصي على صداقتك، فهي عندي أغلى من أي كتاب!
وقد تعودنا أن نرى في صدر كل كتاب إهداء مختصراً إلى كاتب أو شاعر أو فنان أو حبيبة أو صديق، وتعودنا أن نقرأ مقدمات كتبها صديق للكاتب اطلع على المخطوط أو الكتاب، وخطّ تقريضاً له، تغلب عليه المجاملة والاستعجال وغض الطرف عن الثغرات، ولاحظت في مقدمة الحفني المهداة إلى الأستاذ العالم: مهماً للعصر وما يدور فيه من صراعات واصطفافات، وتعمقاً في الاطلاع على فلسفاته ومشكلاته، وإتقاناً لمهمتَي الترجمة والحوار، باعتبارهما نشاطاً ثقافياً راقياً، وشرحاً مختصراً لنظرات كامي الفلسفية في الكتاب المترجم، التي تناول فيها مظاهر التمرد وتجلياتها وتناقضاتها، منتقلاً من التمرد المتيافيزيقي إلى التمرد التاريخي، ومن الإرهاب إلى (قتلة الله) وإرهاب الدولة، ومن النبوءة البرجوازية إلى النبوءة الثورية، وعرج على تجليات التمرد في الفن والرواية والأسلوب، وتناول العلاقة بين الإبداع والثورة، وميز بين الاعتدال والتطرف.
وأرى أن المقدمة وما تضمنته من استهلال وعتب ومحاجّة وحوار هادئ رصين، وحرص على احترام عقل المحاور ونظراته ومكانته، وخاتمة متقنة، ترقى إلى أن تكون فصلاً من فصول كتاب كامي، وأقدر أن أي قارئ متمرس، وخبير في العنونة (وهي باب في العلم برأي النقاد) لو خيّر في وضع عنوان ملائم لها، لاقترح العنوان التالي: (فهم روح العصر وفلسفاته).
والتوقف المتأمل عند مضمون المقدمة يظهر مشاغل النخب المثقفة في أزمنة النهوض، وعملهم الجماعي من أجل تقديم زاد ثقافي ومعرفي للقراء عامة وللشباب المتعلمين خاصة، وحواراتهم الغنية، لأن اختيار الكتب المهمة وترجمتها وإصدارها هي أعمال مؤسسية تحتاج إلى دراية وإتقان وتحمّل، الحرص على صقل ذائقة القراء، واكتساب تقدير النقاد ذوي المكانة العلمية والنظرة الموضوعية هما ضالّتا المؤلف أو المترجم، واللافت أن الحفني وعى مشكلات العصر: من إقصاء وتعصب واستقواء وقمع، وأحادية فارغة مفقرة، وعجلة وعمى مجازي، وتنبه إلى تأثيراتها السلبية على الأفراد والمجتمعات والدول، ودعا إلى إعادة الاعتبار لإنسانية البشر وخياراتهم وحقوقهم الطبيعية.
وأرى أن مقدمة الحفني متمردة ومغايرة لما تعودنا قراءته من مقدمات متعجلة أو فُعالية في مديحها وتقريضها لكتب وترجمات متواضعة المستوى، وتمردها متجه لنفع القراء وتحقيق التوازن في العلاقة بين المبدع والقارئ والناقد، وهو توازن مطلوب في الحوارات الفكرية والسياسية مثلما هو مطلوب في الأدب والحياة، على حد تعبير كامي الذي قال: (في اليوم الذي انتصرت فيه الثورة القيصرية على النقابية والروح التحررية، فقد الفكر الثوري في ذاته التوازن الذي بدونه لا يستطيع أن يعمل، هذا التوازن هو الروح التي تملأ الميراث الطويل من أيام الإغريق).
أضع هذه الوقفة المتأنية برسم النخب الثقافية والسياسية في سورية وجوارها، من أجل إعادة الاعتبار للمنهج العلمي في فهم العصر وتحولاته وفلسفاته، وممارسة حوار معرفي غني حريص على احترام قنوات المعرفة وتنوع العقول وكرامة البشر، وممارسة رؤية نقدية تخز دون أن تؤلم. وتجرح دون أن تسفك دماً، وما الثقافة والإبداع والنقد دون الارتقاء إلى مستوى هذا الإهداء الناقد المتوازن؟
قد تختلف مع الحفني ومع المدافعين عن الفلسفة الوجودية، أو مع اليساريين ومناصري الفلسفة الماركسية بتلاوينهم ورؤاهم المتباينة، ولكن إتقان محاورتهم واحترام أفكارهم، والرد على ملاحظاتهم وحججهم بمرونة وموضوعية، يحوّل هذا الاختلاف إلى غنى معرفي وإنساني.