مكالمات لم يُردّ عليها
دائماً هناك الكثير من المكالمات التي لا يُردّ عليها، مكالمات فائتة، لأسباب مختلفة، ربما يكون الإنسان في إحدى حالاته الخاصة الطارئة، وقد ترك موبايله في جيبه أو في الصالون أمام العائلة، وحينئذ ربما يصاب الجميع بالصدمة حين يكتشفون، مصادفة، من يتصل بصاحب أو صاحبة الموبايل.. وقد تحصل مشاكل لا تحمد عقباها.
مكالمات كثيرة بين المواطن المنتوف والحكومة أيضاً تدخل ضمن باب المكالمات التي لم يرد عليها، هذا إن لم يكن الخط مغلقاً أو خارج نطاق التغطية.. كذلك الأمر بين المستشارين (الأوادم) والمسؤول، أو بين الأحزاب التي تحتفظ ببعض الصراحة والصدق فيما تطرحه، وبين صاحب القرار… طبعاً، الذريعة القديمة الجديدة التي يرددها أصحاب القرار هي أن (العين بصيرة واليد قصيرة)! رغم أن وقائع الأيام تثبت أن الأيادي طويلة وخفيفة إلى درجة أن بلاداً بكاملها تسرق من قِبلهم تحديداً، أقصد أولئك الذين يرددون أن اليد قصيرة وعاجزة، مما يكاد يجعلنا نتصدق عليهم بما تخبئه جيوبنا المثقوبة دائماً.
***
مثلاً.. كأن يقول الناس (الفهمانون) والخبراء الموثوقون والإعلام والأحزاب، لحكومة ما، إن استنزاف المياه الجوفية، وحفر الآبار بشكل كثيف وعشوائي لزراعة القطن في منطقة ما، سيحولها إلى صحراء قاحلة خلال عقد أو عقدين من الزمن، رغم الأرباح الوفيرة التي سيجنيها المزارعون وشركاؤهم الذين يدافعون عن هذه الآبار، لكن الحكومة والمحافظ والجهات المختصة تمعن في استنزاف مياه الأرض وتتفنن فيها حتى تتحول المدينة الخضراء إلى صحراء عطشى تستجرّ مياه الشرب من الجيران البعيدين، ثم (مضى كلّ إلى غايته)، وبقيت المدينة تصرخ من العطش…
مدينة السلمية ليست النموذج الوحيد في هذا المجال، والجزيرة السورية على الطريق…
هذه مكالمة فائتة جداً، ربما لا نفع من ذكرها سوى أن الذكرى ربما تنفع المؤمنين.. ربما!
***
بدر الدين العوف (أبو أسامة)،هذا الرجل الدمشقي ابن حي الحمراوي، الذي أتمنى أن يكون على قيد الحياة، تعرَّفَ عليه كل من كتب عن الحي المستملك، كنت أقرأ في عينيه الأسى والتحدي وهو يسرد رحلته مع قرار استملاك الحي الأثري، الذي صدر منذ نصف قرن بتوقيع المشير عبدالحكيم عامر، الحاكم العرفي لسورية في زمن الوحدة الميمون، لديه حمل جمل من الكتب والقرارات والمراسلات والعرائض ومشاريع القرارات والمقالات الصحفية التي تناولت الموضوع، وكلها تُجمع على ضرورة إلغاء استملاكٍ جائرٍ بالأساس، وفقد أي مشروعية، لأنه لم ينفذ خلال خمسين عاما. لم تبقَ صحيفةٌ أو حزب أو مثقف إلا ورفع صوته لإلغاء هذا الاستملاك والحفاظ على الحي العريق مع ترميمه بإشراف دوائر الآثار، لكن دائماً هناك من له مصلحة في الخطأ ولديه القدرة على الاستمرار فيه، وما زال قرار استملاك الحمراوي صامداً وسيفاً مسلطاً على رقاب سكان الحي!؟ الأمر نفسه تقريباً ينطبق على استملاك الشريط الساحلي، الكل مُجمع على خطئه وخطره، لكنه لم يُلغَ، ولن يلغى ربما ؟
الاستملاك الجائر أحد أمراض البلاد المستفحلة، بل أحد أسباب الأزمة الكارثة التي يعيشها الوطن السوري، عسى أن يصبح هناك من يرد على مكالمات ضحاياه حين تضع الحرب أوزارها.. إن حصل.
***
مقولة (الشعب المرن) من إبداعات الدردري، النائب الاقتصادي لفترة طويلة في سورية، وصاحب القلم الأخضر في النهج الاقتصادي المدمر، وقد ردَّ به على البعض الناصح الذي حذّر من أنّ سياسات الليبرالية الجديدة ستزيد معاناة الفقراء، كمعادل موضوعي لازدياد الغنى الفاحش في صفوف النخبة التي كان النائب الاقتصادي يراهن عليها. قال الدردري حينذاك إن الشعب السوري مرن، ويتحمل المزيد من الضغوط على حياته ولقمة عيشه، فلا تكبّروا الموضوع وتراهنوا على غضبه…
نسي النائب ربما لأن دراسته أدبية أن هناك مفهوماً في الفيزياء والهندسة اسمه حد المرونة، وأن المادة موضوع الدرس عندما يتجاوز الإجهاد عليها حد المرونة ستبدأ بالتفكك والانهيار… هو، وأصحاب الرهان على الحلول الأمنية لإسكات أنين المقهورين من تدهور الحال أيضاً، لم يردوا على كل المكالمات التي حذرت ونبهت إلى أن الناس سيصرخون أخيراً وينسون خوفهم المزمن…
ما حصل لاحقاً أن الناس صرخوا وخرجوا إلى الشارع شاهرين أوجاعهم، وأن أصحاب الحلول الجاهزة أبقوا خطوطهم مغلقة بوجه العقل.. مما أتاح دخول آخرين متربصين بالوطن السوري على الخط، أخذوا الصراخ إلى منطقهم ومنطقتهم… وصارت حرباً نعيشها الآن.. الأزمة هي في إحدى تجلياتها هنا أيضاً مكالمات لم يُردّ عليها.. وربما لم يعد هناك اتصال.. فُقد الاتصال تماماً، للأسف!!