بدأت بـ«زينةۛ»… العواصف مستمرة في زيادة أرباح التجار… المواطن استعد.. فماذا عن الجهات الحكومية الخدمية؟

ها هي ذي خيرات السماء تنزل إلى الأرض، لترفع من أسهم الموسم الزراعي في سورية، فثلوج العاصفة (زينة أو هدى أو السلام) كما أطلقت عليها صفحات التواصل الاجتماعي، حملت البهجة والفرح لمختلف المواطنين، فقد عم الخير أرجاء الوطن سورية، ورغم الصعوبات التي تواجه المواطنين من حيث تأمين الدفء اللازم لمواجهة برودة هذه العاصفة الثلجية، إلا أن السعادة اخترقت جميع الصعوبات ونفذت إلى قلوب المواطنين، وكأنه العيد من جديد.

المواطن وضع خططه البديلة لمواجهة العاصفة

العاصفة الثلجية التي حلت خيراتها في سورية وسائر بلدان بلاد الشام، كان هناك استعداد لها من قبل المواطن السوري، وكما لاحظنا، فقبل بدئها ازدحمت الأفران في شتى المناطق، سواء في الأرياف أو المدن، وذلك لأن المواطن السوري أصبح أكبر مخطط اقتصادي، فهو يضع خطة للطوارئ وأخرى لإدارة الأزمات وثالثة للمخاطر بما يخص مواده معيشته، فهرع إلى شراء الخبز وبكميات ليست بقليلة، وانتشرت في الوقت نفسه تجارة الخبز في السوق السوداء والتي لم تنته سابقاً، وكانت الأفران على أهبة الاستعداد لتلبية حاجة المواطنين دون أي تقصير.

ارتفاع أسعار الخضار واللحوم والفروج مع زيادة الطلب

أما بالنسبة للمواد الغذائية الأخرى، فلم تكن بمنأى عن الاستغلال من قبل تجار (الأزمات والعواصف)، فمثلاً أسعار الخضار والفواكه ارتفعت دون أي مبرر منطقي، وفي حال سألت البائع عن سبب ذلك يقول لك: (سوق الجملة هو من يفرض السعر على بائع المفرق وليس نحن من نرفع الأسعار)، وبائع آخر يقول: (الطرقات مغلقة بسبب تراكم الثلوج، ولا يمكننا التسوق لإحضار الخضار من سوق الجملة، لذا من الطبيعي أن ترتفع أسعار البضائع الحالية كتعويض عن العطلة أو إغلاق المحل لحين فتح الطرقات!)، أي بمعنى أن على المستهلك أن يدفع ثمن عطلة بائع الخضار المفرق من جيبه!

وارتفع الطلب على الخضار واللحوم والفروج وسائر المواد الغذائية، وخاصة في الأرياف خشية، من أن يطول انقطاع الطرقات بسبب تراكم الثلوج، وهذا ما دفع ببعض ضعاف النفوس من بائعي المفرق لرفع الأسعار مستغلين حاجة المواطنين دون أي رحمة، فارتفع سعر البطاطا للكيلو الواحد بحدود 35 ليرة، فأصبح يباع بـ 125 ليرة، في حين أن الكيلو نفسه كان يباع قبل ساعات من بدء العاصفة بحدود 85 ليرة، وارتفع ثمن الفروج ليتراوح ما بين 650 و700 ليرة، وكذلك اللحوم الحمراء ارتفعت أسعارها بمعدل 100 ليرة.

حتى الحطب لم يسلم من الاستغلال والغش!

أما الأصعب من ذلك فهو الاستغلال الكبير الذي تعرض له المواطن في حصوله على الدفء من قبل التجار، وخاصة تجار الحطب والمازوت، فوصل سعر كيلو الحطب (المبلول والمغشوش بالماء) إلى أكثر من 45 ليرة قبل العاصفة، واشتد السعر مع اشتداد العاصفة وانخفاض درجات الحرارة.. وبالطبع حتى الحطب لم يسلم من الغش والتدليس، فأصبح يغمس بالماء لزيادة وزنه وبيعه للمواطنين بوزن مغشوش، وبأسعار خيالية، ومع انتشار مدافئ الحطب والاعتماد على الحطب بشكل كبير، زادت الآثار البيئية السلبية أكثر فأكثر وخاصة في الأرياف، حيث بات قطع الأشجار أمراً اعتيادياً وباتت حتى سرقة الأشجار وقطعها من بساتين الآخرين أمراً يمر دون حساب، مما يجعلنا نتساءل: هل يعقل أن تستمر حملة الاحتطاب هذه من قبل تجار الحطب وضعاف النفوس دون حسيب؟.. وماذا عن الآثار البيئية في الاعتماد على الحطب بالتدفئة؟ فالأغلب الأعم يعتمد على الحطب في التدفئة لارتفاع سعر المازوت ارتفاعاً جنونياً وخاصة في السوق السوداء ولندرته في السوق النظامية، مما يؤكد أن الثروة الشجرية تتعرض لخطر محدق، وآثار هذا الخطر لن يظهر حالياً، لكن بعد سنوات قليلة، عندما تفقد الغابات رونقها وعندما يفقد الريف شجره، وعندما تمتلئ جيوب التجار الذين لن يشبعوا من استغلال حاجات المواطنين وموارد الطبيعة.

ولا بد من الإشارة إلى أن اعتماد نسبة كبيرة من المواطنين على الحطب في التدفئة أمر يعتبر في غاية الخطورة على البيئة والطبيعة، وعلى المستهلك للحطب نفسه، حيث كثرت أمراض التنفس، وأصبح من يريد أن يسير في شوارع الأرياف يحتاج إلى كمامة لكي يستطيع التنفس، وذلك بسبب دخان الحطب المتصاعد والذي ملأ الجو بروائح الاحتراق المنبعثة من مدافئ الحطب، فهذه العاصفة الثلجية التي مرت غسلت الجبال والوديان والشوارع، إلا أنها لم تغسل قلوب المستغلين والمحتكرين.

الكهرباء هجّرت منازل المواطنين في الأرياف وحتى الماء

واعتاد المواطن مع كل عاصفة تمر على الوطن أن تهجر الكهرباء منزله إلى إشعار آخر، وخاصة في الأرياف، فما إن بدأت الثلوج بالهطول حتى انقطعت الكهرباء في بعض مناطق ريف دمشق لمدة تجاوزت أكثر من أربعة أيام متواصلة.. وبالطبع الحجج جاهزة لدى عمال طوارئ الكهرباء وهي صعوبة العمل في ظل الأحوال الجوية السائدة، وبالطبع هناك ظروف يصعب العمل فيها، ولكن أن يطول العطل لثلاثة أو أربعة أيام دون تحرك، فهذا ينافي توجيهات وزارة الكهرباء والتي طالما طلبت من جميع مكاتب الطوارئ أن يكونوا على أهبة الاستعداد في الاستماع لشكاوى المواطنين وإصلاح أي عطل طارئ في التيار الكهربائي، إلا أن ذلك لم يحدث، وتبقى سماعة الهاتف الخاصة بمكتب الطوارئ مشغولة (مرفوعة)، ويبقى المواطن ينتظر الكهرباء ويبقى ينتظر وربما يمل من الانتظار لدرجة أنه اعتاد على فراقها لأيام ولأسابيع طويلة.

أيضاً المواطن واجه في ظل العاصفة الثلجية (زينة) انقطاعاً في مياه الشرب وخاصة في ريف دمشق، وذلك نتيجة انقطاع التيار الكهربائي وفق ما يقال، فما إن تنقطع الكهرباء حتى تنقطع المياه، وما إن تأتي عاصفة ثلجية حتى يفقد المواطن الكهرباء والماء وتصبح الطوابير على الخبز والغذاء، أي أن السيناريو يتكرر دائماً دون معالجة، فأين هي مضخات المياه العاملة على المازوت لضخ المياه إلى المواطنين، ربما المواطن وضع خططه البديلة، فقام باستخدام الثلج ووضعه في خزانات مياه الشرب وإذابته للحصول على المياه، وهذا ما حدث في ريف دمشق، كون المياه انقطعت لأكثر من أسبوع في بعض المناطق.

السيناريو يتكرر

ما نود الإشارة إليه بعد العرض السابق، أن السيناريوهات تتكرر في كل عاصفة تأتي إلى بلادنا، فالمواطن يضع خططه البديلة لتلبية احتياجاته بإمكانياته الضعيفة، وتجار الأزمات والعواصف يضعون سيناريوهاتهم المحتملة ويرفعون أسعار سلعهم، ولكن ماذا عن الجهات الحكومية الخدمية؟ هل وضعت خططاً بديلة لتلبية احتياجات المواطنين أثناء العواصف الثلجية بحيث تمنع تعرض المواطنين لاستغلال تجار الأزمات والعواصف؟ وماذا عن الوحدات الإدارية والتي يتوجب عليها المسارعة إلى فتح الطرقات الرئيسية وبعض الطرقات الفرعية داخل البلدات والمدن؟

العدد 1194 - 15/04/2026