إرادة الياسمين

تقاس الإرادة وقوة العزيمة بالشجاعة والإقدام وتنفيذ الأفكار والأحلام على أرض الواقع، فلا نفع من إرادة فولاذية إذا بقيت حبيسة القلب والجسد، مثلما لا نفع من نبع لا يخرج مياهه، أو نهر عظيم لا يسقي أثناء جريانه إلا الحصى والصخور.

وقد تكمن الإرادة في العقل مدة طويلة، ككمون النار في الحطب، والجمر في الفحم، والبرق في الغيوم، واللغم تحت التراب، البعض يحول بالعمل والسعي حطبه إلى نار، وفحمه إلى جمر، ويلقح غيومه بالشجاعة فيجعلها تمطر، وينفخ على الألغام فيجعلها تنفجر.. والبعض تبقى إرادتهم غيوماً عقيمة، وحطباً يابساً.

(ومن لا يعرف كيف يقرن إرادته بقوته، لا قوة له..).

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها

وتصغر في عين العظيم العظائم

كان في دارنا القديمة شجرة ياسمين، وكانت هذه الشجرة موجودة قبل ولادتي بكثير، خضراء، وذات أغصان مورقة، تمتد كحبال طويلة فتلتف حول كل شيء من حولها بسهولة ومن دون عناء أو تعب.

في الصيف.. وبرغم تعدد محاولات أهلي لاقتلاعها من جذورها، إلا أنها كانت تعود لتنمو بإصرار وتصميم نكاية فينا وتحدياً لنا..

ذات يوم، حين كبر أخي واستلم وظيفة كبيرة في بلدية بلدنا، قرر فجأة القضاء عليها، فأحضر العمال وشرعوا يجزّون أغصانها حتى سوّوها بالأرض تماماً، وخطر في بال أخي الكبير فكرة، فطلب من أحد عماله إحضار بعض المازوت، فسكبه عليها وأشعلها، قالت جدتي التي كانت تراقب وتنتظر: الياسمينة سوف تعود!

صاح أخي:

مستحيل، لقد أحرقتها تماماً!

هزت جدتي رأسها.. ودمعت عيناها.

كانت الياسمينة تشغل مساحة كبيرة من أرض دارنا، فوعدنا أخي أن يجعل من مكانها ملعباً لنا، مهد أرضها وفرشها بزفت أسود حار.

وما هي إلا أيام قليلة. حتى تحولت الساحة المحروقة إلى ملعب لكراتنا أو ألعابنا..

وفي غمرة فرحنا وغبطتنا في تلك الأيام، لم نلحظ عودتها.

عادت خفية عنا، لتنمو مرة أخرى بصمت.. شقت الزفت القاسي وخرجت إلى الضوء، حاولنا منعها، مزقنا أوراقها الطرية الخضراء بالعصي والحجارة، لكنها كانت تعود بعد عدة صباحات لتنمو مخترقة الزفت الأسود ولتمتد هنا وهناك، بإصرار وعناد أكبر مما مضى.

كانت بنظرنا حينذاك قاسية وعنيدة، وغير مبالية بنا، فلم نتأخر أو نتوانى في يوم ما عن إذلالها وسحق أوراقها الطرية، لكنها من جهة أخرى، كان مشروع نموها، وإصرارها على العيش ومتابعة حياتها مستمراً بصمت وهدوء، حتى تحت الأرض التي فرشناها بالزفت وأحرقناها ذات يوم.

العدد 1195 - 23/04/2026