إنها الفاشية المتناسلة

يردد الناس في بلادنا المثل ((من جرّب المجرّب فعقله مخرّب))، وفي ذلك بعض المصداقية. لكن الناس لا يبتعدون عما ألفوه إلا عندما يحصلون على ما هو أفضل، أو أن هذا الذي ألفوه لزمن طويل لم يعد يلبي رغباتهم، وليس فاعلاً ولا واعداً. وعندما سعى الناس إلى تجديد حياتهم عبر الحراك الذي أطلق عليه ((نهضة)) تشبهاً بما جرى في أوربا قبل ذلك، فإنما كانوا يضعون السببين السابقين قيد الاستثمار.

فهم أولاً وصلوا إلى الطريق المسدود في متابعة الحياة الكريمة على النهج السابق، منذ زمن، وقد بدا قصوره وعدم القدرة على إخراجه من إعاقته. فالبلاد وهي تتابع حياتها بالأساليب ذاتها والأفكار ذاتها والوسائل ذاتها التي لم يطرأ عليها تعديل من زمن طويل، بل فقدت أية حيوية، وأدخلت البلاد في عصر الانحدار، ما جعل عقول بعض من يستجيب للاستنارة، قد بدأت في البحث عن مخارج، فوجدوا ذلك بالتواصل مع الحضارة الأوربية التي صدمهم زخم صعودها، والتي أظهرت لهم هوان ما هم فيه.

والأمر الثاني، أن إقامتهم في حال من الاستنقاع الحضاري قد طالت، ووسائلهم لا تلبي رغبتهم بالخروج من واقعهم، والقوى التي أدخلت البلاد في هذه الأنفاق المظلمة أعلنت إفلاسها، او بدا عليها ذلك ولو كان لديها ما تقيل به عثراتها، لما وقفت عاجزة وهي ترى العالم يتغير بسرعة ولا حيلة لديها بمواكبته.

لا تستطيع أن تكون جديداً حين تنفض بعض الغبار عن أثوابك البالية ثم ترتديها. لكي تكون جديداً لا يكون ذلك بما هو قديم بكل عناصره، دون أن يعني ذلك رمي ما يمكن الإفادة منه. لكي تكون جديداً يلزم الانخراط في سلوك جديد، على ضوء مناهج جديدة تقطع الأواصر مع كل ما سبب الإعاقة.

بوضوح أكثر لا بد من عقل جديد وثقافة جديدة وإرادة جديدة، مع أن العقل لا يقول برمي كل ما لديك مما يمكن الإفادة منه، لكن ذلك على حافة الخطر، فإذا كان تمييز الأمور الواعدة من غير الواعدة ممكناً، فما من شك أن النهضة الأوربية اعتمدت في إحدى قنواتها على استنهاض ما يمكنه التجدد من تراثها. وربما انطلاقاً من ذلك كانت فكرة الإحياء والركون إليها. وهذه يجب أن تستنير بأمرين، الأول، معرفة ما بإحيائه تكون فائدة، والثاني، التفكير في كيفية الإحياء، هل تكون بطباعة كتب التراث بمجلدات أنيقة كما جرب العرب أن يفعلوا، أم يكون بتفعيل ما من شأنه البناء عليه من أجل الخروج من الإعاقة والخروج من التخلف، مثل قيم العمل وأخلاقياته والانخراط في الإنتاج بتوظيف طاقات المجتمع والنهوض بطبقاته المستضعفة؟!

الشعوب ذات التراثات الممتدة صنعت نهضة، لا بالتنكر لتراثها ورميه، ولا بالاعتماد عليه فقط، بل بتفعيل القابل للتفعيل منه وركن الباقي إلى المتاحف والذاكرة، ثم الاعتماد على العلوم الحديثة بديلاً أكيداً الفاعلية.

عند هذه النقطة كان أحد مقاتل نهضتنا، فهي إضافة إلى أنها لم تشمل الجيولوجيا الاجتماعية كلها، خاصة فئات الشعب الفقيرة، واقتصرت على بعض المتنورين وبعض الحراك الثقافي، فإنها واضحة التوجه السلفي، أو حركات أصولية يتناقض توجهها مع النهوض باعتباره توجهاً إلى الأمام، إلى المستقبل، وهذه الحركات توجهت إلى الماضي لاستعادة حضوره تحت شعار: لا يصلح حاضر هذه الأمة ومستقبلها إلا بما صلح به ماضيها، واعتبرت العودة إلى ما جرى التفريط به في اعتباراتها، ونفي الحداثة القادمة، هو المخرج.

لقد اكتملت عناصر الفاشية بتحالف فرعيها السياسي القبلي الساعي للهيمنة، والديني الأصولي، في الوهابية السعودية أو الخليجية، قوة بدوية ساعية للسيطرة، وحركة دينية ساعية للهيمنة على الفضاء الفكري العقدي الثقافي، تحت ظلال السيف والرعاية البريطانية. وبعد انتصارها في مجتمع لم يفتقدها كثيراً، لكنها هذه المرة جاءت بقوة أكبر، وكان لابد من صراع الكتلتين كي تُخضع إحداهما الأخرى أو تلحقها بها، والمؤكد أن قوة البطش المادي الممثلة بآل سعود القبيلة البدوية استطاعت إلحاق آل الشيخ زعماء الوهابية بها وأسندت لهم أمر التربية الإيديولوجية. واكتمل إخضاع الوهابية بعد القضاء على تمرد فيصل الدويش المنافح عن الوهابية، وبعد القضاء على حركته التي تمت ملاحقتها حتى الكويت، أخضعت فاشيةُ القبيلة الممسكة بالقوة الاقتصادية وقوة السلاح، فاشيةَ الفكرة الإيمانية الإيديولوجية المغلقة.

في مصر تقليداً للأخوة الوهابية بصيغتها البدوية، نشأت حركة الأخوان المسلمين بصيغة أكثر نعومة وأبعد عن البداوة، بما يتناسب مع التطور في المجتمع المصري المركز الأكبر للنهضة العربية والتواصل مع الغرب، ما يعني أن فاشية ما في هذا المجتمع يجب ألا تكون على نمط الوهابية شكلاً، وإن كانت أيديولوجيتها تعمل للهدف ذاته وهو أسر المجتمع عن طريق التأثير العقدي، وادعاء العودة إلى أصول الدين والتخلص من مظاهر التراخي في علاقة الناس بدينهم وإصلاح علاقتهم به على أسس أصولية، وكانت هذه الحركة إحدى مخرجات الحراك النهضوي الموصول من جمال الدين الأفغاني إلى حسن البنا مؤسس الإخوان، لكن أيضاً بفعالية بريطانية أو غربية، في مرحلة احتدم فيها الصراع والصدام بين القوى العالمية، قوى الرأسمالية الغربية راعية الفاشيات، مع المعسكر الاشتراكي المبشر بغد جديد للفئات الضعيفة والشعوب المنهوبة.

كانت حركة الإخوان المسلمين حركة دعوية تدّعي القيام بدورها بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، لكنها كانت منذ البداية حركة تفريق بين المسلمين، هناك إخوان وهناك من ليسوا إخواناً، من هنا تبدأ فاشيتها في إخضاع من ليس إخواناً. والمغفلون فقط هم من يرون أن الغرب وقف مع هذه الحركات لإنجاز مشروع حضاري نهضوي. لقد وقف معها باعتبارها العبَّارة التي توصله إلى أهداف غير خافية، ولو لم يحقق سوى بقائنا ملهيين بما أعلنته هذه الحركات من مناهج العودة إلى الأصول لكفاه ذلك، فهو المناخ الذي يحسن العمل فيه لأغراضه، أي مناخ التخلف. لا يتمايز الإخوان الوهابيون والإخوان المسلمون إلا بالبيئة التي يعمل كل فريق فيها، لكن لجم حركة التطور والتحديث بقي الهدف، وهذا هدف الغرب أيضاً، وذلك لا يتحقق إلا بالإمساك بالسلطة، فبدأ اللجوء إلى العنف، وبدأت الاغتيالات السياسية، ما يسمح للدارس استقصاء وتتبع نسل الإرهاب الحديث وجينات العنف والتطرف، ومعرفة نسب الإرهاب بأبيه وأمه، مع التذكير بأن هداية الناس وإصلاح عقائدهم لا يكون بقتلهم، فمن يقتل لا تصلح عقيدته.

ومع أن أبرز قادة ثورة 25__ في مصر كانوا من منتسبي جماعة الإخوان – كما ذكر سكوت هيبارد في كتابه ((السياسة الدينية والدول العلمانية)) مثل جمال عبد الناصر وأنور السادات، فإنها لم تتردد في محاولة اغتيال الأول وإتمام اغتيال الثاني مع كل ما مكنها منه من محاربة أعدائها، ومن النشاط الذي يقول هيبارد ذاته أنه نتج عنه ما بين ثلاثين وأربعين منظمة إرهابية في مصر، وكلها من نسل الإخوان المسلمين وجيناتهم. ومع هذا نجد أن قوى محلية وعالمية تحرص على تمكين هذه الجماعة تحت أي اسم اتخذته.

استشعر السادات خطر الأفعى التي رباها، وقبل أن يهاجمها لدغته، إن ذلك من طبيعتها الفاشية، تحت اسم الجهاد الذي أغرق مصر وسورية بالدماء في الربع الأخير من القرن العشرين، وها هو بطبعته الجديدة ودمائه الموروثة المتجددة يغرق الساحة العربية كما لم يحدث في تاريخ الشعوب.

المشكلة أن التباكي على إيمان الناس المنتهك وعقائدهم المهدورة، وتحت الشعارات وكلمات الإيمان المتعالية، مثل ((الله أكبر)) يُنفّذ أسوأ إجرام عرفه التاريخ، وإذا كان الإسلام يهدف إلى صيانة العقل والمال والنسل والعقيدة، فإنه تحت هذا الشعار الرفيع يتم انتهاك ما جاء الإسلام لصيانته، إذ يُنبَذ العقل والعقلاء وتُسلب الأموال ويقضى على النسل وتُنتهك الأعراض. فأي شيء يبقى من العقيدة؟!

لقد استغل الإخوان تعب الناس وقرفهم من سلطات بلادهم التي أرادوا التخلص منها، فركبوا موجات الحراك، وبدقة تنظيمهم وفاعليته ومتانته استطاعوا الوصول إلى الحكم في تونس ومصر، لكنهم في مصر لم يضيعوا الوقت ولم ينتظروا إلى الغد لإبداء فاشيتهم واستبدادهم بالسلطة والمجتمع، وكان على المتعبين الذين استُغل نشاطهم وحراكهم أن ينزلوا إلى الشارع ثانية، وهذا هو الوجه المبشر.

لقد أعلن برنارد لويس ضرورة إيجاد عدو بديل للشيوعية وحدده بالإسلام، واستطاع تلميذه هنتنجتون إيضاح الفكرة تحت عنوان ((صدام الحضارات)) وهنا ننبه إلى خطأ استخدام مصطلح صراع، لأن الصراع قد يجلب الأفضل بينما في الصدام لا يوجد سوى الدمار وارتفع الشعار إلى حدود الفكر السياسي أو الفلسفة السياسية، ولا شيء يصنع المناخ الملائم لدوام تدخل الغرب في بلادنا وإبقاء قواها بحالة تآكل، مثل تصعيد تدخّل التنظيمات التي نشأت برعاية غربية كما بينّا، وإبقاء رسنها ممسوكاً بقوة وموجهاً من قبل رعاتها الغربيين، مع التمكن من إيجاد السواتر التي تستر الأدوار الغربية العلنية، وهذه السواتر تتمثل بالدين، وهي تبعد الشبهات بالغرب المخالف عقدياً.

لقد تم الاقتراب من تحويل مصر إلى جمهورية إخوانية برعاية أمريكية، لولا تنبّه شعب مصر، وفي اللحظة الحاسمة تخلت أمريكا عن الإخوان لكن دون التخلي عن إمكانية التدخل وإيجاد أوراق بديلة، ليس في مصر وحدها، بل في كل المنطقة، لكن عبثاً نجد بين من تعتمدهم أمريكا على قائمة أصداقائها، من يوصفون بالوطنية دون مواربة!

إن البطن الذي أنجب الوحش لا يزال شديد الخصوبة. وهنا نتحسس دور الشعوب أو المجتمعات فيما إذا كانت راضية أن تكون ضحية تحالف الغرب مع القوى الظلامية التي يكون حريصاً على دوام وجودها، أو غير راضية. وهنا يبدو دور هام تمارسه، وهو ليس اقتلاع نشاط سياسي مشبوه فقط، بل اقتلاع فكر مشبوه يستغل الدين ويتمكن الغرب من توجيهه واستغلاله. فهبات هذا الفكر ومن يتجند في ظله لن تتوقف ما لم تجد مجتمعات على درجة من الوعي توقفها، والغرب مهما بدا حماسه ضد هذه التنظيمات الإرهابية، لا يبغي اقتلاعها من الوجود مادام يجد أن فعلها يصب في مصلحته لجهة إبقاء مجتمعاتنا قلقة مضطربة متخلفة، ومستعدة لقبول تدخله، إنما  يسعى لإبعاد الأخطار عنه، فالغريب أن من يتجند من أبنائه (الديمقراطيين) للقتال في بلادنا، لا يتجند لصالح من يقول إنها معارضات ديمقراطية، بل لصالح التنظيمات الإرهابية. ولن يقنعنا أحد أنه رافض لذلك تمام الرفض.

الأسس التي تؤدي إلى صعود الإرهاب هي: نشاط العقل الإيماني، أولاً، وفشل بناء الدولة الوطنية ودورها إلى حد كبير، ثانياً، والتدخل الغربي السلبي، ثالثاً، وأخيراً الثقافة العكرة الملوثة. وهذه العناصر مشتبكة متداخلة ومعقدة. وتشكل موضوع كتابنا القادم.

وعطفاً على ما سبق، فإننا بحاجة إلى نهضة ليست ثانية ولا ثالثة، بل هي النهضة التي طرحت مشروع إخراجنا من القرون الوسطى، وذلك بتمكين القوى الوطنية الفاعلة من أداء حراكها لصالحها في ميادين العمل كافة، دون وصاية خارجية ولا وصاية قوى الاستغلال والاستبداد المحلية.

العدد 1194 - 15/04/2026