الحل السياسي أساس التنمية الاقتصادية.. اتفاقيات اقتصادية مع روسيا هل تنعكس إيجاباً على أرض الواقع؟

أعلنت الحكومة السورية الأسبوع الماضي عن الاتفاق على الجوانب الفنية لإطلاق الخط الائتماني الروسي لتوفير المستلزمات المعيشية للمواطنين، مع تأسيس خط سريع للتبادل التجاري يستهدف تبسيط الإجراءات الجمركية وتخفيض تكاليف وصول المنتجات السورية إلى السوق الروسية، مقابل إعطاء أولوية للمنتجات الروسية لدخول الأسواق السورية، إضافة إلى تحديد مشاريع استثمارية استراتيجية وسبل تمويلها، والعمل على ربط مرفأ اللاذقية مع مرفأ نورفورسيك الروسي، ليكون عبارة عن مسار مائي يسهل تدفق السلع الزراعية بين الجانبين.

جاء ذلك غداة اجتماعات (اللجنة السورية الروسية الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي والفني) التي عقدت في سوتشي الروسية في 24 تشرين الأول 2014.

إن الاتفاقيات الجديدة مع روسيا من الناحية النظرية جيدة جداً، فهل سينعكن تطبيقها إيجاباً على أرض الواقع، إذ مازال الكثيرون في القطاع الخاص يخشون من أن تتكرر تجربتهم مع الخط الائتماني الإيراني الذي لم يستفد تجار القطاع الخاص منه، مع الإشارة إلى أنَّ أي اتفاقية يجب أن تحمل المنفعة لكلا الطرفين وتبنى على مبدأ (رابح _ رابح)، فالعلاقات الدولية لا تقوم على العواطف بل هي ذات طبيعة اقتصادية-سياسية، تحكمها المصالح طويلة الأمد.

إننا نؤيد أية اتفاقيات من شأنها أن تدعم الاقتصاد السوري شريطة ألا تكون على حساب المنتج الوطني الذي اكتوى سابقاً بالسياسات النيوليرالية المتوحشة التي دعمت فقط قطاعَيْ المال والتجارة والانفتاح على الخارج، وأهملت الصناعة والزراعة والخدمات الشعبية، ففتحت أسواقنا على مصراعيها للبضائع المستوردة، وهو ما أجبر عدداً كبيراً  من المنتجين على إغلاق ورشهم أو تحولهم إلى العمل التجاري، وجاءت الأزمة وقضت على الرمق الأخير للصناعة الوطنية، فيجب أن تعمل الاتفاقيات الثنائية والشراكات الموقعة على دعم المنتج السوري، حتى لا نعيد أخطاء الفريق الاقتصادي السابق التي لعبت دوراً كبيراً في خلق الأرضية لانطلاق الحراك الشعبي الذي تشهده سورية منذ آذار 2011.

ومنذ بدء الأزمة رفعت الحكومة شعار التوجه شرقاً، بهدف إيجاد حلول لمفرزات الأزمة، وذلك بعد العقوبات الجائرة وغير الشرعية التي فرضت على سورية وأضرت كثيراً باقتصادنا، وركزت الحكومة على الانعكاسات المباشرة للتوجه شرقاً على معيشة المواطن السوري بكل جزئياتها وتفاصيلها اليومية، ولكنها فشلت في تحقيق ذلك على أرض الواقع إلا في الحدود الدنيا، فتحول التبادل التجاري ضمن هذه الاتفاقيات باتجاه واحد هو الأسواق السورية، مع غياب القطاع العام النشط، وكيف ننجح مع وجود بعض الفاسدين الرافضين لهذه السياسات؟!

إن سورية اليوم في أشد الحاجة للبحث عن أسواق تصديرية جديدة لتصدير منتجاتها لتستعيض بواسطتها عن فاقدها الغربي، وإبرام اتفاقيات جديدة مع الدول الصديقة جميعها، وتفعيل التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري معها، شريطة ألا يكون ذلك على حساب نوع المنتج وجودته، بالتزامن مع وضع سياسات لإعادة تدوير عجلة الإنتاج في المجالين الزراعي والصناعي في القطاعين العام والخاص، مع وضع خطط لحماية المنتجات الوطنية وتأمين قدرة تنافسية عالية لضمان استقرار منتجاتنا في أسواق التصريف، وهو ما يتطلب دعماً حقيقياً لبعض القطاعات الإنتاجية، مع التأكيد على ضرورة مراجعة التشريعات القانونية التي تعيق تنمية الصادرات وتحديثها، وهنا تبرز الحاجة إلى تحديد نهج واضح للاقتصاد السوري، مع وضع آليات وخطط مناسبة لتحسين واقع التصدير لأثره الإيجابي على الاقتصاد الوطني.

إنَّ تفعيل العلاقات مع الدول الصديقة خطوة مهمة للتنشيط الاقتصادي للبلاد، لكن تبقى الأولوية للحل السياسي الذي يوقف العنف، لتتمكن القطاعات الاقتصادية المنتجة من معاودة نشاطها في كل المناطق، وتوريد المحاصيل والسلع إلى الأسواق الداخلية والخارجية، فالحل السياسي يعدّ خطوة في طريق النمو الاقتصادي، ويعمل على ردم الهوة الاجتماعية التي أصابت بنية المجتمع السوري محدثة صدعاً كبيراً، لأن النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي يغيبان في حالات اللاستقرار السياسي والأمني.

العدد 1191 - 18/03/2026