لماذا كان ماركس محقاً؟! (19)

كتب ماركس في (المخطوطات الاقتصادية الفلسفية): (يتألّم الإنسان لأنه كائن حسّي، ولأن تكوينه يشعر بالألم، فهو كائن ذو شعورٍ جارف). والموت هو برأيه انتصار مخيف للنّوع على الفرد. كما كتب في ( الرأسمال) إنه لأمر مرٌّ بالنسبة للإنسان أن يستعجله الموتُ، وأن تكون حياته أقصر مما يجب، لأنه وجب عليه أن يقوم بأعمال شاقة أو يتعرض مبكّراً لحوادث أو أمراض أو انتهاكات. قد تستطيع الشيوعية إلغاء العمل الشاق، إلا أن ماركس لم يتصوّر أبداً مجتمعاً خالياً من الحوادث والانتهاكات والأمراض، أو بالأحرى من الموت.

لو لم يكن لدينا العديد من القواسم المشتركة الإنسانية، لكانت الرؤية الاشتراكية عن التعاون الدولي لا معنى لها. في الجزء الأول من (الرأسمال) يصف ماركس (الطبيعة البشرية بشكل عام، ثم …. طبيعة الإنسان المتغيِّرة وفق كل مرحلة تاريخية). يتمتّع الإنسان بالعديد من الصفات التي تكاد لا تتغيَّر عبر التاريخ، وهذا أمر يرفضه مجتمع مابعد الحداثة أو أنه يخفّف من و طأته باعتباره أمراً بديهياً. وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى أن لما بعد الحداثة حكماً مسبقاً غير منطقي ضد الطبيعة وعلم الأحياء (البيولوجيا)، وبالدرجة الثانية لأنها تفكّر أن أيّة إشارة إلى الحقائق الطبيعية هي بمثابة استراتيجية لإنكار التغيّر، وبالدرجة الثالثة إلى أنها تميل إلى اعتبار أي تغيّر شيئاً إيجابياً وأي ديمومة شيئاً سلبياً. وهي تتطابق في ذلك مع (محدِّثي) الحداثة الموجودين في كل مكان. إلا أن الحقيقة، المبتذلة في عين كلّ مثقّف، تقول بأن بعض التغيرات كارثيّة وأن بعض الديمومة أمر مرغوب فيه جدا . وعلى سبيل المثال، سيكون من المؤسف حقاً لو احترقت جميع مزارع العنب في فرنسا، وكذلك لو لم يستمر مجتمع خالٍ من العنصرية الجنسيّة في البقاء أكثر من ثلاثة أسابيع.

غالباً ما يتحدّث الاشتراكيون عن الاضطهاد والظلم والاستغلال. لكن لو لم تتعرّف الإنسانية على هذه الأمور، لما كان بإمكاننا أن نتعرّف على هذه الظروف، كما هي، ولبدت لنا وكأنها الحقيقةُ المسلَّم بها. ولربما لم يكن لدينا الكلمات اللازمة للتعبير عنها. فحتى ندرك معنى الاستغلال، يجب أن نستطيع تصوّر مجتمعٍ خالٍ من الاستغلال، من دون أن نلجأ إلى مفهوم الطبيعة البشرية، إذ يكفي أن نشير إلى وقائع تاريخية. ومع ذلك يمكننا القول لحدٍّ ما بأننا نملك بعض المواصفات التي منحتنا الطبيعةُ إياها والتي قد تعتبر مواصفة قياسيّة. فنحن نُولد على سبيل المثال (قبل الأوان). ولا نزال زمناً طويلاً بعد الولادة غير قادرين على الاعتماد على أنفسنا ولا بد من أن يعتني بنا آخرون. (يقول بعض المحلّلين النفسانيين بأن العديد من أمراضنا النفسية المعقّدة في عمر الشباب تعود إلى هذه الفترة الطويلة من الرعاية. ولو استطعنا كأطفالٍ حديثي الولادة الوقوف فوراً والمشي، لتجنّبنا الكثير من الآلام التي نعاني منها لاحقا في كبرنا، ويجب ألا يفهم من ذلك أن الأطفال سيكفّون عن إيقاظنا من نومناً ليلاً)ذ. حتى ولو أُسيئت معاملة الأطفال، فإنهم يدركون بسرعة معنى الاعتناء بالآخرين. ولربما كان ذلك أحد الأسباب التي تجعلهم يدركون لاحقاً لماذا تتخطّى طريقةُ عيش مجتمعٍ كامل الاحتياجات الإنسانية.

وبهذا المعنى يمكن لوعينا السياسي أن ينضج، لأننا وُلدنا قبل الأوان. يمكن للاحتياجات الضرورية لبقائنا على قيد الحياة، كالغذاء والدفء والرعاية والتمتّع بصحبة آخرين بلا عبودية أو تعسّف، أن تصبح أساساً للنقد السياسي، نظراً لأن أي مجتمع لا يفي بهذه الشروط يعتبر مجتمعاً قاصراً. ومن أجل انتقاد مثل هذه المجتمعات يمكن بالطبع اللجوء إلى العديد من العوامل المحلية والثقافية، إلا أن مجرّد الإشارة إلى أنها تُهمل هذه الحقائق الأساسية، يعتبر ذا تأثير أكبر. لذا من الخطأ القول بأن فكرة الطبيعة البشرية لا تخدم سوى الحفاظ على الوضع القائم. إذ يمكنها أيضاً أن تجعله حتماً موضع شكّ.

في مؤلّفاته المبكّرة كان ماركس يطرح وجهة النظر التي أصبحت في هذه الأيام مغضوباً عليها، القائلة بأن طبيعتنا كحيواناتٍ مادّية يمكنها أن تزوّدنا ببعض المؤشرات الهامّة عن كيفيّة حياتنا. يمكن، من وجهة نظر معيَّنة، أن نتوصّل عن طريق جسم الإنسان إلى قضايا ذات علاقة بالأخلاق والسياسة. إذا كان البشر كائنات تحقق ذاتها، فعليهم الحصول على حرّية إشباع رغباتهم والتعبير عن كفاءاتهم. وإذا كانوا حيوانات اجتماعية تعيش مع آخرين قادرين أيضاً على التعبير عن أنفسهم، فعليهم أن يتفادوا صدام هذه الكفاءات الهدّام والذي لا نهاية له. ويُعتبر ذلك واحدة من أصعب المهام التي يواجهها المجتمع الليبرالي الذي يعيش فيه أعضاؤه بحرّية مزعومة، حرّية يستخدمونها على الدوام لـ (خَوْزقة) الآخرين. وعلى العكس، تنظّم الماركسية الحياة الاجتماعية بحيث يستطيع كل فرد أن يحقق ذاته عن طريق تحقيق الآخرين لذواتهم. وفي هذا الصدد يقول ماركس في (البيان الشيوعي) بأن (التطوّر الحرّ لكل فرد هو شرط التطوّر الحرّ للجميع). وبذلك لا تعيب الاشتراكية ببساطة على المجتمع الليبرالي تحزّبه الحماسي للفرد، بل إنها تبني عليه وتكمّله وتبيّن في هذه الأثناء التناقضات التي تعاني منها الليبرالية (أي أن حرّية البعض لا تقوم إلا على حساب حرّية الآخرين)، وكيفيّة إزالتها. وبالمحصّلة لا يمكننا تحقيق ذاتنا إلا بواسطة الآخرين. وهذا يعني زيادة حرّية الفرد وليس الانتقاص منها. لا يمكن أن نتصوّر أخلاقاً أجمل من ذلك. على الصعيد الشخصي نسمّي ذلك حبّاً.

يجب أن نشير هنا إلى الأهميّة التي أولاها ماركس للفرد، نظراً لتناقض ذلك بوضوح مع التصوّرات الكاريكاتورية التي تُشاع حول هذه النقطة من مؤلّفاته. ولو صدّقنا هذه التصوّرات، لانصب اهتمام الماركسية على مجموعات غير واضحة المعالم تتجاهل احتياجات الأفراد الشخصية بلا أدنى رحمة. لكن، لا يوجد شيء أبعد من هذا عن تفكير ماركس. ويمكننا القول إن الهدف الوحيد لسياسته هو التطوّر الحرّ للأفراد، ما دمنا لم ننس أن هؤلاء الأفراد سيستفيدون من شكلٍ من أشكال التطوّر الجماعي. وهو الذي كتب في (العائلة المقدّسة) أن على كل فرد أن يستفيد من (المحيط الاجتماعي للتعبير عن مظاهر حياته الجوهرية). وهكذا يمكن القول إن هذه هي أخلاق ماركس من البداية وحتى النهاية. وهناك كل ما يبرّر الاعتقاد بعدم وجود مصالحة تامّة بين الشخص الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه. والحلمُ بإمكانية تشكيلهما وحدة عضوية سيبقى أُمنية بعيدة المنال. وسيبقى هناك خلاف بين رغباتي ورغباتك، وبين ما يُتوقَّع مني كمواطن وما أودّ القيام به في حياتي. وستبقى هذه التناقضات التي لا تعرف المهادنة موضوعاً للعديد من المآسي ولن يستطيع سوى القبر، وليس الماركسية، التغلّب عليها. وما قاله ماركس في (البيان الشيوعي) عن تطوّر الفرد لن يتحقق تماماً أبداً. وسيبقى هدفاً يسعى إليه الإنسان وليس وضعاً يمكن الوصول إليه، شأنه في ذلك شأن جميع الأفكار السامية. تبقى المُثُل العليا مرشداً على الطريق وليست أشياء محدَّدة، هي تعطينا الاتجاه. ومن يسخر من المثُل الاشتراكية، عليه أن يتذكّر أن فكرة السوق الحرّة لم تُطبَّق بحذافيرها أيضاً، إلا أن ذلك لا يزعج المتحزّبين للسوق الحرّة. وواقع الحال من أنه لا توجد ديمقراطية من دون بعض الأخطاء الجمالية، لا يجوز أن يجعلنا نختار بدلاً منها الاستبداد. ونحن لا نكفّ عن مساعدة الجياع في العالم، مع أننا نعرف مسبقاً أن بعضهم سيموت جوعاً قبل أن تصلهم المساعدة. هناك عدد غيرُ قليل، من بين أولئك الذين يعتقدون أن الاشتراكية غير قابلة للتطبيق، مقتنع بإمكانية القضاء على الفقر، وعلى مشكلة الاحتباس الحراري في العالم، وتأسيس الديموقراطية في أفغانستان، وحلّ جميع النزاعات عن طريق قرارات من منظمة الأمم المتحدة، وبإمكانية التغلّب على جميع هذه المشكلات العويصة بيُسرٍ وسهولة.

أما الاشتراكية، فتبقى لسبب سرّي غامض غير قابلةٍ للتطبيق.

تأليف: تيري إيغلتون

العدد 1195 - 23/04/2026