العاصي.. يجمعنا!
كنا نصيح – أهل حوض العاصي – فرحاً كلما اقتربنا من ضفافه، وسواء كنا قادمين من شرقه أو من غربه فكلا الضفتين توأم..
هذا كان دأب مدينة اسمها القصير اقتسم الناس فيها محبة الضفتين، وكان النهر الأوحد في العالم الذي ينطلق من الجنوب إلى الشمال عصياً أيضاً على قدرة أي من شرب من مائه مرة إلاّ أن يعودَ إليه، كما كان عصياً على الفراعنة قبل الميلاد..الذين حاولوا الوصول إليه لكنهم اندحروا على أيدي الحثيين في معركة شهيرة اسمها (معركة قادش)…
في أول الصَّيف، يفيض العاصي ويملأ قلوب الناس شرقه وغربه بالفرح، ويتّسع الفرح بحجم الماء، فالماء الوفير يعني الخصوبة والمواسم الخيّرة والغلال الطيبة التي تدبّ العافية في همة الفلاحين وغير الفلاحين على سواء.
– العافية!!
فالعاصي نهر من أغرب أنهار الأرض، كان الاستثناء الوحيد بين أنهار الدنيا في اتجاهه، ويكاد يكون الاستثناء الآخر في الهبوب؟..
والهبوب تلك النسمات الشفافة الرقيقة التي تهب من الغرب مروراً بالعاصي..، حتى إذا ما وصلت إليه يعطيها من نكهته، ويمنحها صفصافه العميق الفارع عذوبة ولطافة النسيم العليل، وأي نسيم، يانسيم العاصي؟!
ينحدر العاصي من تلال جنوب لبنان المتدفقة من ينابيع الهرمل، ومجرى النهر ينبض بآلاف الينابيع التي تمد النهر بالقوة طوال طريقه إلى البحر المتوسط في شمال سورية… ينحدر النهر كملك أسطوري يأبى الهزيمة عندما تجف المياه… وعندما لا تجد أنهاراً تأخذ نسماتها لبّك وعذوبة مياهها، يأبى العاصي الجفاف، ولايأبه بالطريق الوعرة الملتوية بزوايا حادة ولا بالتعديات على حرم المجرى، ولا بالغابة الصفصافية التي يمر الماء خلالها، ولا بالأشجار الباسقة التي تكسرت ورمت نفسها في المجرى، ويتابع الماء الطريق، ليصل إلى أهل الضفاف من المنبع وحتى البحر!…
يملأ العاصي الغابات الممتدة في استطالة الماء، حيث الصمت، يملؤها صخباً وحياة…
يخترق جلاميد الصخور أيضاً، ويفور بالزبد وينثر الرذاذ ويبدع أقواس قزح لا تنتهي ولاتتبدد، صخب وهدير يجري بين الصفصاف والجميز وغيرها، ويمضي، متفرداً كشاعر حزين وسط فلوات من الفيافي.
ماكان حال هذه الفيافي لو لم يخترقها العاصي؟!.
يتمهل حيناً.. يلتقط أنفاسه، قبيل اقتحام دوَّارات الماء المخيفة عن زوايا المجرى الحادة، غامضة أسرار العاصي، يمضي، يدخل في ملكوت ترحاله الداكن، يندفع، يتقلب مزاجه، لكنه النهر الحكيم الذي جمع المواسم والغلال والناس من حوله على طول المسافة والأفق…
يعلو، حيناً، ويفيض حيناً آخر، لكنه لا يهدأ ويتسم بالوقار العبوس إلا عندما يدخل في مستنقعات انتشرت على طريق المجرى كالمتاهات البلهاء!!
ومن حوله على الضفتين والناس والأطفال والحيوانات أيضاً تنعم بالماء البارد صيفاً والدافئ شتاءً…
وآه يا ضفاف العاصي!…
وأنت تدفنين الكثير الكثير من حكايات العشق التي مضت، وتلك التي تولد تارة أخرى من جديد…
وأسرار شعوب تعاقبت على سرقة الماء والمجرى…فراعنة، ورومان، وأوربيون، والحثيون الذين أقاموا وأقاموا ومابقي من قيامتهم أثر؟..
حتى جاء الفاتحون العرب…
أسرار تفيض بها الضفاف أيضاً، أسرار وحكايا مغطاة بفيء الصفصاف الأبدي الخالد، الذي بقي على العهد وفياً للماء وللنهر وللمجرى وللظل والنسيم الذي لم يمل وجوه الناس الوافدة إليه، قاصدة الأنس والعذوبة والأصالة…
يصعد الصفصاف هنالك عصياً على الضياع، عصياً على الزوال…
يمتدُّ كالشريان في أرض حيّة يطلع من شفاهها القمح والفول والذرة والشوندر والمشمش والتفاح والخوخ والدراق والخضرة، كل الخضرة، مثل الياقوت واليشمك، وعندما تنتهي المواسم، يبقى الصفصاف صاعداً ذرع وفاء شامخ عتيق…
تضرب جذورها عمق الأرض، بينما رأس الصفصاف يطلع وهج السماء…
يواصل النهر قافلة الرحيل الأبدي من الشمال إلى الجنوب، وسط صمت عاشق أبدي…
ونعم العاشق هذا العاصي، يمضي على صمت متوّج بين الحين والحين بتراتيل الكنائس وأبراج المآذن، وانفراط عقود هائلة من الطيور والحمائم، تملأ عيونها من مشاهد المياه الزمردية قبل أن تؤوب إلى أعشاشها كل مساء!..
ويجمعنا العاصي!..