ملاحظات في الوظيفية السياسية للفكر
إنك تخون مصر، بلدك!
صرخت ليلى، الفتاة اليهودية التي تربطها علاقة حب مع ضابطٍ مُسلم، في وجه شقيقِها الذي يحثّها على الهجرة إلى اسرائيل.. في مسلسل رمضاني يطرحُ أسئلةً صعبةً في أكثر مراحل تاريخنا الحديث تعقيداً والتهاباً.
يعرض (حارة اليهود) حالة التعايش والاندماج القائمة، نهايات النصف الأول من القرن الماضي.. بين مواطنين مصريين مختلفي الانتماءات الدينية، في حارةٍ شعبية يشكّل الكنيس اليهودي أحد أبرز معالمها.. قبل أن يُفسدها الترهيب الذي يمارسه تيارٌ سياسي متطرف، تجاه اليهود، معتمداً فهمه المغلوط للآية القرآنية الكريمة: (واضربوهم حيث ثقِفتموهم).. ترهيبٌ يكملُه، على الطرف الآخر، إغراء أيديولوجي ومادي يقوم به ممثلو الوكالة اليهودية العاملون على خلق اسرائيل..
1- تختلف الرؤية الفكرية السياسية للمسلسل، مع تلك التي يقدمها الكاتب السياسي محمد سيد رصاص، في مقالته المنشورة في عدد جريدة النور(رقم 681 تاريخ 1 تموز 2015)، مستنداً، في جزءٍ منها، إلى المفكر إسحق دويتشر.
تستحضر المقالة جزءاً من تاريخ الثوريين اليساريين وعددٍ من الحركات السياسية في العالم وفي البلدان العربية، بدءاً بلينين وستالين وتروتسكي وروزا لكسمبورغ وصولاً إلى سلام عادل وعزيز محمد وغيرهم كثير..
يمكن الاتفاق أو الاختلاف حول دقة ما ورد في المقالة عن (وقوف أبناء الأقليات)، خلافاً لأكثرية ساحقة، في الحزب الشيوعي السوري، مع خالد بكداش، (ضد البرنامج السياسي ذي النفس العروبي)، مطلع السبعينيات. ولكن لعلنا نتفق على مشروعية السؤال التالي: هل الظرف الراهن مناسبٌ لاسترجاع مجريات تلك الحقبة بعد أكثر من أربعة عقودٍ عليها؟
تذكّر المقالة بمواقف الشيوعيين الكرد العراقيين الذين تحوّلوا إلى حزبي البرزاني والطالباني، والشيوعيين الشيعة الذين عادوا إلى السيد محمد باقر الصدر، كما حدث، من قبل، مع الارتداد نحو الصهيونية، من قبل يهود أوربا الشرقية، مع هتلر، إلى تيودور هرتزل، انتصاراً على تروتسكي..
تشرح المقالة لماذا (لا يقتصر توجيه الشحنة الانفعالية الثورية (لدى أبناء الأقليات المضطهَدة) على الطبقات المسيطرة، بل تمتد إلى الأكثرية القومية وإلى الأكثرية الدينية، الطائفية، وفي الغالب يكون الإلحاد هنا موجّهاً لا إلى رفض الدين في المطلق وفي العام، بل إنه محدد ومعيّن على أساس رفض ومعاداة دين الأكثرية، فيما يكون إلحاد ابن الأكثرية الدينية موجهاً ضد دينه وضد كل دين..).
2- الفكرة الجوهرية لدى السيد رصاص هي أن أبناء الأقليات الدينية، القومية، الطائفية، الإثنية، القادمين إلى الحركات والأحزاب الثورية الأيديولوجية العلمانية ذات الطابع الوطني العريض، يحملون إليها خلفيتهم الاجتماعية والثقافية، أكثر مما يفعل أبناء الأكثرية.. (لكي يكون تأثيرهم أكبر مما في محيطهم الضيق.. باستخدامهم القاطرة الأيديولوجية الحديثة التي يمكن أن تكون جسراً إلى تأثير واسع وأحياناً طاغٍ وربما أيضاً إلى أن يكون الدور(أي دور أبناء الأقليات) هو المسيطر ثقافياً وسياسياً على المجتمع بأسره)!
المقالة إذاً معنية، على نحوٍ أدق، بالتحذير من (وظيفية الفكر السياسي لدى الأقليات)، الهادفة إلى السيطرة الثقافية والسياسية على المجتمع، ولكن الأخطر هو أنها ما تزال الوظيفية ذاتها، راهناً، بحسب السيد رصاص، وإلا لماذا يكتب عنها، الآن؟
شرح ديلان روف، منفّذ المجزرة العنصرية الأخيرة، ضد مواطنيه ذوي الأصول الإفريقية، في كنيسة بلدته الأمريكية، لصديقه، الأسباب التي تدفعه لتنفيذ جريمته، بالقول: يريد السود السيطرة على كل شيء في الولايات المتحدة !
هل الأفضل أن يكون لدى الأقليات حركات سياسية خاصة بها، منعزلة، لكي لا يتاح لها جرّ المجتمع، عبر القاطرة الأيديولوجية العلمانية، إلى حيث تتمكن من السيطرة عليه؟
تجيب التجربة السياسية السورية على النحو التالي: لقد كانت عضوية الأحزاب الأكثر تقدميةً، ومنها الحزب الشيوعي، تدريباً ناجحاً، رغم بعض عثراته، على التعايش والاندماج بين المواطنين السوريين، وعلى إعلاء الهوية السورية مع الهوية الانسانية، فوق جميع الهويات الأخرى وقبلها، التي قد يصبح بعضها قاتلاً، وفق الكاتب الكبير أمين معلوف.
يعود رفض الأكثرية الساحقة من الكرد السوريين، الآن، الانفصال عن الدولة السورية، في أحد أسبابه، إلى الوعي الوطني الجامع الذي اكتسبته فئات واسعة منهم في صفوف الحزب الشيوعي والأحزاب الجامعة الشبيهة ومحيطها.
3- تنبع صدقية الوظيفية السياسية لأي فكر وأهميتها وعدالتها، أو خطورتها وتأثيراتها السلبية، من نوعية المفاهيم والقيم والدعاوي التي يتبناها ويشرعن إسقاطاتها في الحياة، ويدعو لها، ويحرض عليها، في زمنٍ معين، إذا أخذنا بالاعتبار التقدم المعرفي الذي ينتج تطوراً وتغييراً في أدوات التفكير الإنساني ووظائفه.
بيد أن وظائف سياسية تكتسب، أكثر فأكثر، طابعاً مطلقاً، لأنها تتعلق بوجود الإنسان والكوكب الذي نعيش عليه. ومنذ زمن ليس بعيداً، كما لقادم الأزمان، غدا الفكر الذي يبرر الظلم الاجتماعي والاضطهاد العنصري(خصوصاً تجاه الأقليات والمجموعات البشرية المُستضعفة) وممارسة العنف وتلويث البيئة… فكراً مداناً، ينبغي نبذه وعدم مهادنته.
بعضُ ألصق مواصفات هذا الفكر هو لا أخلاقيته، وكره أصحابه للحياة الإنسانية، وجنوحه نحو التطرف ونظرته الأحادية. هنا تندمج الغريزة البدائية ،مع الفكر المتطرف، بأبشع صورة، ويصبح الحقد والعنف أعمىً، بكل ما تعنيه الكلمة، وعنهما ينتج توحش الفاشية بجميع أشكالها، وأحدثها: داعش والتنظيمات الشبيهة التي تشكل ظاهرةً راهنةً يصعب تلمس دور خاص للأقليات فيها، يخشاه كاتب المقالة.
4- تتعلق الفروق في طرائق تفكير الناس بمصالحهم المادية وطرائق عيشهم ومستوياتهم الثقافية والمعرفية ودرجات تطورهم الاجتماعي، ومساحات الحرية المعطاة لتفكيرهم وتنميته أو خنقه، منذ الطفولة، وهي مساحة تضيّقها أو توسّعها العقائد السائدة، من جهة، ومقدار تسامحها أو تزمتها وتطرفها، بحيث تسمح لهم بتجاوز تقاليد بيئتهم ومفاهيمها، إلى مطارح أرحب، أو تعيدهم إلى ظلامية أعتى، نشهد، حالياً، تجلياتها الأشد قسوةً.. ومن جهةٍ اخرى، نوعية السلطات القائمة ومدى عزلِها أو دمج شعوبها في العالم والتقدم الحاصل فيه.. وهي كلّها عوامل عابرة للأديان أو القوميات أو الطوائف، من حيث كونها أقلية أو أكثرية، في مجتمعاتٍ لم تعد عزلة بعض أقلياتها أو أبناء أريافها ممكنةً، بعد تطورها المديني الجامح.
تؤثر الخلفية الاجتماعية والثقافية المتشابهة في أبناء الأقليات، كما في أبناء الأكثرية، بنسبٍ وأشكال مختلفة، تعيّنها وقائع الزمان والمكان المتغيّرين. ولا يشتق تمايز وظيفية الفكر السياسي، لدى الأفراد، من وجودهم في الأكثرية أو في الأقلية القومية أو الدينية، على طول الزمان وعرض المكان.. فهذا الوجود الحجمي ليس مولّداً لجيناتٍ دماغية، تؤثر في الإدراك والسلوك الإنسانيين. قد ينتمي المواطن، في آن واحد، إلى أقلية قومية وأكثرية دينية، ولكنه يعيش الشروط البائسة ذاتها لأغلبية مواطنيه، في آنٍ واحد.. فأيّ تلك الوقائع تُلهم فكرَه؟
5- نعيش في بلدانٍ تتعدد فيها القوميات والأديان والطوائف، وخصوصاً في سورية والعراق. يتغنى خطابنا السياسي الرومانسي، بتلك الفسيفساء الجميلة التي تشكّلها تركيبتنا السكانية. يظهر الواقع الحالي صورتنا الفعلية دون إخفاء تعقيداتها الشديدة.. وهو واقع قد تحمل فيه السياسات الخاطئة في معالجة المسائل النابعة من فسيفسائنا الجميلة، أخطاراً ليست قليلة.
ليست عملية الاندماج المنشودة ذوباناً للأقلية في الأكثرية أو في أقليةٍ أخرى، لأننا نقترب بذلك من خيارٍ آخر مشابه، تعسفي وعنفي، يسود (دولة الخلافة الإسلامية) التي لا تتقبل، بين رعاياها، أبناء الديانات والطوائف الأخرى.. بل تعني اندماج الجميع في دولة المواطنة المتساوية، التي تضمن جميع حقوق مكوّنات الشعب وتحترم ثقافاتها، وتعزز قدراتها على التعايش..