ما مصير التعديلات المرتقبة على القوانين التمييزية ضدّ المرأة..؟
في مداخلته أمام مجلس الشعب بتاريخ 22 أيلول 2014 أثناء مناقشة البيان الوزاري للحكومة الجديدة، أشار الأمين العام للحزب الشيوعي الموحد الرفيق حنين نمر في الفقرة السادسة من هذه المداخلة إلى قضية هامة وأساسية، ألا وهي مسألة المنظمات الأهلية وضرورة الإسراع بإصدار تشريع قانوني ناظم لها بعيداً عن اعتبارها دوائر أو منظمات رسمية، كما أشار إلى انتظارنا الذي طال بصدد تعديل القوانين التمييزية ضدّ المرأة لاسيما قانوني الأحوال الشخصية والجنسية، إذ قال:
6- (في المجال الاجتماعي: علمنا أن الحكومة السابقة بصدد إصدار مشروع قانون للمنظمات الأهلية غير الحكومية، وإذ نؤيد هذه الخطوة نأمل ألا تعامل هذه المنظمات كأنها دوائر حكومية جديدة، إذ يكفينا ماهو موجود من دوائر، المهم هو تنظيم مبادرات الأهالي الطوعية.. مع الحيلولة دون استغلالها من قبل الجهات الأجنبية المعادية.. وإننا أيضاً بانتظار تعديلات على قانون الأحوال الشخصية يؤكد مساواة المرأة مع الرجل، وخاصة في مجال إعطائها الحق في منح الجنسية لأطفالها).
طبعاً، يتضح من هذه الفقرة اهتمام الحزب بقضايا المرأة، رغم أنها جاءت فقرة أخيرة في المداخلة، علماً أن قضايا المرأة لا يمكن أن تنفصل عن قضايا الشأن الرسمي والعام سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، على اعتبار أن المرأة قد أصبحت منذ زمن طويل شريكاً أساسياً للرجل في كل ميادين الحياة، وخاصة الاقتصادية بحكم خروجها للعمل ومشاركتها في تأدية الالتزامات المادية التي تحتاجها الأسرة، لاسيما في زمن فجور الأسعار والغلاء الذي لم يعد يُحتمل.
من المعلوم أن وزير العدل في الحكومة السابقة والذي ما زال يحتفظ بالحقيبة ذاتها في الحكومة الجديدة، قد شكّل في شباط 2013 لجنة من أجل تعديل بعض المواد التمييزية ضدّ المرأة في القوانين السورية، وقد أنهت هذه اللجنة عملها ورفعت مقترحاتها وتوصياتها للسيد الوزير في شباط 2014 وها قد شارف العام على الانتهاء ولم نعد نسمع أي صدى لتلك اللجنة، ولا للتعديلات المنتظرة على القوانين التمييزية ضدّ المرأة السورية، وأهمها على الإطلاق قانون الأحوال الشخصية، ثمَّ قانون الجنسية، لاسيما المادة 3 منه.
إن التطرّق إلى ما نسيته أو تناسته الحكومة من تعهدات، أو ربما ألقت به في حقيبة التأجيل والتسويف بحجة الأولويات، بسبب ما تتعرض له البلاد من أزمة أطاحت بكل مقدرات الدولة والحياة على حدٍّ سواء، يضع هذه الحكومة أمام مسؤولياتها الهامة والمُللحّة تجاه شعب قدّم وما زال يقدم كل إمكاناته، بل ما فاق إمكاناته، من أجل استمرار الحياة في بلد يستحق منّا جميعاً البذل والعطاء، شريطة أن تُصان الكرامة والحقوق وفق ما نصّ عليه الدستور.
لذلك نجد أن من واجب الحكومة أن تبحث في قضايا عالقة وشائكة في آنٍ معاً، كقضية تعديل القوانين التمييزية ضدّ المرأة السورية، لأننا في زمنٍ لم تعد تلك القوانين تتماشى والتغيّرات الحاصلة في الخلية الأساسية للمجتمع (الأسرة بمكوناتها كافة،المرأة، الرجل، والأبناء)، إضافة إلى أن الأزمة والحرب الدائرة منذ ما يُقارب الأربع سنوات قد أفرزت جملة من المعضلات والمشاكل الاجتماعية التي تحتاج إلى قوانين عصرية تواكبها من أجل الخروج من نفق هذه الأزمة بأقل الخسائر والأمراض الاجتماعية والنفسية، رغم أنها من أفظع الخسائر والمحن التي تُصيب المجتمع، على اعتبار أنها تُخرّب النسيج الاجتماعي أولاً، كما تُخرّب البنيان النفسي للإنسان ثانياً، بحكم ما تعرض له من ويلات وكوارث، وهذا ما يدفع بالمجتمع والدولة إلى التخلّف سنوات وسنوات عن ركب الحضارة والعدالة الاجتماعية إن لم يتم التعامل معه بشكل استثنائي وعاجل، من مثل إعادة النظر في مسائل هامة وأساسية يُمارسها مجتمع متدين ومحافظ كالولاية والوصاية والقوامة التي تعرضت لانتكاسة خطيرة في مجتمع الحرب الحالية، إذ تنصل بعض الأزواج من مسؤولياتهم سواء تجاه الزوجة أو الأطفال، كما تخلى أولو الأمر من الآباء أو الأجداد عمّا هو مطلوب منهم اليوم من ولاية فرضها الشرع والدين على الفتيات والنساء اللواتي تُركن وحيدات يواجهن مصيراً مجهولاً وخطراً، أو الوصاية على أحفاد لم يكن مصيرهم أفضل حالاً من أمهاتهم. إضافة إلى استخدام واستغلال مبدأ الولاية في كثير من الأحيان للاتجار بفتيات لا تتجاوز أعمارهن الثالثة عشر عبر أنواع متعددة ووهمية من زواج خلفيته المستترة (دعارة شرعية) فرضها الواقع الذي يُعانيه بعض السوريين في مخيمات اللجوء ومناطق النزوح داخلياً وخارجياً.
كما لا يفوتنا التعرّض لمسألة الحضانة التي تُستغل اليوم أبشع استغلال، إذ يتمُّ التخلي عن حضانة الأطفال في بعض الأحيان، أو يتمُّ التمسّك بحضانة بعض الأطفال الذين لا يحتاجون رعاية كبيرة أو إعالة خاصة، ويتمُّ التخلي عن حضانة الرّضع والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة أو المرضى، والذريعة طبعاً هي الوضع المادي السيئ، وهذا ما يُفضي إما إلى تشرد أولئك الأطفال، أو رميهم في أقرب مأوى أو دار أيتام دون أدنى رحمة أو شفقة، ودون النظر لما سيكون عليه هذا الطفل مستقبلاً.
طبعاً هذا غيضٌ من فيض المشاكل الاجتماعية القائمة أساساً، والتي تفاقمت تفاقماً خطيراً خلال الحرب التي تشهدها البلاد، إذ لا يمكننا في هذه الفسحة تناول كل الإشكاليات بالتفصيل. وهذا ما يُلقي على الحكومة مسؤوليات ليست بالقليلة أو السهلة، ولكن يمكن تجاوزها وإيجاد الحلول المناسبة لها إذا ما تمّ الإسراع بإنجاز تلك التعديلات المرتقبة على بعض القوانين التمييزية ضدّ المرأة السورية.
فمنذ منتصف شباط من العام الحالي، ونحن ننتظر إشارة أو تلميحاً بسيطاً إلى ما آلت إليه جهود هذه اللجنة واقتراحاتها، حتى بات انتظارنا يقض مضاجع أحلامنا في الوصول إلى مساواة حقيقية بين المرأة والرجل في بلد يدّعي العلمانية، ودستوره ينص على المساواة الكاملة بين مواطنيه في الحقوق والواجبات. أما آن لانتظارنا أن يُثمر بما يحقق ما نصبو إليه كنساء عموماً، وناشطات في مجال قضايا وحقوق المرأة، خاصة بعد كل الجهود التي بُذلت على مدى أعوام وأعوام؟!