مفاجآت رسمية
كلمة (رسمية) توحي بالتجهّم والانتظام والدقة، ولا تحتمل مفاجآت أو أشياء غير محسوبة… لكن حكومتنا الجديدة أرادت أن تكسر القاعدة وتقدم للجماهير الغفورة مفاجأة رسمية بمناسبة قدوم عيد الأضحى.
المفاجأة جاءت ليلة العيد، بتعديل سعر المازوت والبنزين (هكذا تسمي الحكومات المتعاقبة رفع الأسعار، ربما لبقية من خجل) بنسبة 33.5% للمازوت وما يقارب 13.5% للبنزين.
الغريب، بل ربما كان من طبيعة الحكومات وإعلامها، أن لا يعلن القرار في صدر النشرة الإخبارية لوسائل الإعلام، كما تفعل في حالات المنح والإعانات وزيادات الراتب واللفتات الأبوية الحنونة للحكومة. بل لقد بدا الأمر أقرب إلى تسريبات نقلتها إذاعات (الإف. إم) بأن حكومة الأزمة قد فعلتها مرة أخرى ورفعت أسعار المحروقات ليلة العيد…
وبدأت تحليلات (المتواطنين) تنهال على بعضها، وهذه عيّنات عشوائية منها:
لقد فعلوها قبل العيد لأن هناك أسبوع عطلة رسمية يمضيه الناس في منازلهم يتأقلمون خلاله مع الوضع الجديد، ويفرغون ما في جعبتهم من كلام غاضب واحتجاج، ليلتحقوا بوظائفهم وأعمالهم بعد العطلة مواطنين صالحين صامتين شاكرين الرب والحكومة وأولي الأمر على نعمة العيش ولو تحت خط الفقر.
لقد خططت الحكومة جيداً لقرارها، وربما أصبحت تعتمد على خبراء علم نفس واجتماع، بدليل أن تدبير لترات من المازوت صار من المستحيلات، وإن وجد فبسعر يتجاوز المائة ليرة لليتر عبر وسطاء وسماسرة، وهكذا ما إن صدر القرار بجعل سعر اللتر 80 ليرة حتى سارع الكثيرون إلى القول: يا أخي فليؤمّنوا لنا المازوت ولو بهذا السعر أفضل من تأمينه عبر السماسرة بأسعار أعلى بكثير، أي كأنما صار رفع السعر مطلباً جماهيرياً لبَّتْه الحكومة كعادتها في تأمين مطالب الجماهير بأقصى سرعة…
إن ضربات طيران التحالف على حقول النفط ومصافيها الواقعة تحت سيطرة الدواعش خلقت نقصاً في الكميات، فاضطرت الحكومة إلى رفع السعر لصعوبة تأمين حاجة البلاد من المادة…يقول مغرضون.
ثم إن الحكومة ستؤمّن لكل عائلة مئتي لتر، لزوم التدفئة خلال فصل الشتاء، وبالسعر الرسمي، وهي على يقين بأن شتاءنا سيكون قصيراً وخفيفاً حتى تكفي المئتا لتر العائلة السورية المدللة… ربما كان هناك اتفاق سري بينها وبين مدبر الفصول…من يدري؟! يا أخي هل نحن أفهم من الحكومة؟! يقول مواطن صالح جداً…
مواطن لجوج لا يستطيع كتم مشاعره يقول: ليرفعوا سعر البنزين كما يشاؤون، لأن من يركب سيارة عليه أن يدفع ثمن تلك الرفاهية، أما رفع سعر المازوت فسيجرّ معه أسعار مئات السلع والخدمات إلى الأعلى، إضافة إلى المواصلات العامة والتدفئة، ألا يكفي مواطننا كل ما يتعرض له من ضغوط حتى تكمل عليه الحكومة بالمازوت وترفع سعره مرتين خلال أقل من نصف عام؟!
ودِّعوا ما تبقى من غابات في أرضنا الخضراء… يقول مزارع، سيضطر الفقراء إلى قطع ما تبقى من أشجار الغابات ليدفئوا أولادهم… وبعضهم سيمتهن بيع الحطب، ستزدهر مهنة الحطاب بعد أن كادت تندثر….
الحكومة فعلت ما تفكر فيه منذ زمن، وهي ليست غشيمة لتجهل أن هناك مطارح أخرى كان يمكن أن ترمم بها عجز موازنتها، المطارح التي ستثير ضدها الأغنياء حين تقترب من مصالحهم مثلاً وتغلق بعض منافذ نهبهم من اقتصاد البلد، وتزيد الضرائب عليهم، فهؤلاء لديهم مخالب وأنياب يستطيعون بها إيذاء الحكومة، بينما الفقراء لا طاقة لهم على شيء، ولاصوت لهم، وإن وجد فهو خافت خافت…
من باب رفع العتب وعلى لسان وزير أو أكثر، برَّرت الحكومة قرارها بضغط الإنفاق وعدم قدرتها على الاستمرار في دعم المشتقات النفطية، وهي على يقين بأن الشعب المرن ما زال يتحمل، وسيتحمل إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
ولم تَعِد الموظفين لديها على الأقل بأي مكرمة من قبيل زيادة راتب أو منحة أو إعانة أو حتى دعوة إلى العشاء…
أخيراً وليس آخراً لا بد من توجيه التهنئة والتبريك لهذه الحكومة على جرأتها في معالجة الواقع المعيشي للناس، وعلى سداد رأيها وصلاح إجراءاتها في تخفيف عبء الحرب ـ الأزمة على المواطنين الباقين على قيد الوطن، ولا علاقة لي بما كُتب أعلاه سوى أنني أنقل كلام الناس، وناقل الكفر ليس بكافر.