اكتشاف الخيال…
للخيال أن نكتشفه مصادفة، وربما لاتأخذ جملة كهذه (التدريب على الخيال) مصداقيتها مجانية، فلابد من تجربة ما.
إذ تعود بي الذاكرة إلى الوراء، وفي مرحلة، أطرف مايقال عنها نعومة الأظافر، كناية عن براءة تلك الأيام السالفة، فقد شاءت المصادفات غير السعيدة أن يضيع طفل لقريبتنا، وبسبب من تفوقي في الخطابة _ في المدرسة، ارتأت قريبتي أن أذهب إلى المسجد القريب وأطلب من المؤذن أن يبلّغ عنه كعادة المساجد عندما يضيع أحد، الأولاد فينادى عليه بصفاته التي يذكره بها ذووه.
وهكذا بدأت مهمتي الشاقة وأبلغت الرجل المسن بالحكاية، والمفاجأة التي لم أحتملها آنذاك هي أن الرجل قال لي بعد أن صمت قليلاً: بني لقد بلغت من العمر عتياً، ولم تعد ذاكرتي قوية، فضلاً عن وجع مفاصلي، فاصعد السلم إلى الاذاعة ونادِ على قريبك الضائع.
الطفل الذي يسكنني، طلع إلى المنبر وبارتباك باد أمسك الميكرفون وبدأ ينادي ببضع كلمات سريعة، ونزل مسرعاً.
وبحماسة كبيرة تقدمت من قريبتي أتوسل رضا، فقد أنجزت المهمة على أكمل وجه كما كان يبدو لي، لكن قريبتي
كادت أن تلتهمني بنظراتها الغاضبة وترميني أرضاً بشرر متطاير، وأخيراً نطقت بالكارثة: لقد أضعته مرتين..
وأعقبت: لقد وضعتني في حيرة من أمري حقاً، فأنا أمه شككت به، فكيف إلى الغريب سيتعرفه؟
فقد قلت لك إنه يرتدي قميصاً أبيض، وأنت قلت باحتمالات الألوان، كيف يعقل ذلك؟ ومن سيجده؟ وأنا لم أقل لك معادلة رياضية وجب عليك حلها، أنت من تطوع لينادي عليه.
أمام تلك المفاجأة، ولّيت الأدبار خشية تفاقم الأمر ليصل حد الصفع، وأنا أتساءل من ذلك اليوم: لم كان علي أن أضيف، وآنذاك لم أكن أعلم ماجرّه الخيال علي من غضب قريبتي علي، وهكذ ظل ما ندعوه بالخيال، أسير أفكاري وهاجس ما أكتب، تباً له حقاً فقد حال بيني وبين الواقع، لطالما اتهمت بأنني منفصل عنه!
لكن جناية الخيال علي لم تقوض الواقع لدي، بل جعلتني أشيد واقعاً جديداً، تقول إحدى شخصيات رواية عالمية يمكن لكاتبها أن يتوارى خلفها وهو يواسي فائض خياله، مصرحاً بين سطوره كراو مشارك، لقد غدا الواقع بذاته أشد من الخيال عنفاً، وأصبح الخيال هو الواقع الذي نلوذ فيه، فهل كان الطفل الذي كنته يوماً يدرك بحدس غامض تلك المعادلة الغريبة، لبنطق ماشاءت طفولته ذات ماض؟
وللخيال سلطة ساخرة تتكىء على اللغة لتأخذ منها فن المواربة، حتى استوى القول: إن الخيال حرية، ولهذا فهمت أن الروائيين يعيشون في كتاباتهم حيواتهم المتخيلة، أو أنهم يكتبون مالم يعيشوه حقاً، فالبساطة ذاتها حينما نتناول كتاباً للقراءة، فاننا نتناول حياة متخيلة لنشارك عيشها ونتبادل مع مبدعها اختياراته لفن عيش شخصياته، وغالباً ما نجدها تسير بيننا في الشارع أو تتسوق أو تأخذ استراحتها من تعب طريق، أو تتنفسنا ونتنفسها، وكم من المارة من كانوا أبطالاً لروايات لم تكتب بعد، أو ترانا نسيناها وذات يوم سيصرخ الخيال، أن لا تكتبوا اسمي في مدوناتكم أيها الكتاب، فأنا لست واقعاً، إنني الخيال فحسب، فكم كان اسمي ذريعة لترتكب بحقي جنايات الكتابة، أعلن على الملأ إذاً براءتي مما ينسب إلي، دعوني في خيالكم خيالاً فحسب!