من رسائل ما بعد الرحيل

(السّلب)

في هدأة من أمسيات التأمل، وضباب الظنون، وفي غمرة من مزالق التخمين ورمال الاحتمالات، يتراءى لي طيفك السامق النبيل العليل، متكئاً على جدلية سؤال ما يني يؤرّق سلام ملاذي إلى ركن ركين من أعماق ذاتي التي تتطاير انشطاراتها بدداّ على قارعة السؤال: أيهما أشدّ حقيقة؟ تجسّدك في عالم المرئيات، أم طيفك المخاتل لانطباعات الحواس؟

تتصادى عباراتك: (أيتها المرأة المتدثّرة بالمسافة الفلكية، أما من لقاء ولو لسويعة صغيرة واحدة؟ أما من إجازة تمنحها لي هذه اللعنة الكالحة الوجه؟ أما من أُلهية أتلهّى بها عن هذا الاغتراب؟ الشبيه بالحصار؟).

وتنتشر أحرفها مظلّة فوق هجير أبى إلّا أن يكوي هواجسي، ويلقي بسلامي إلى حيتان محيط يترصّد براءتي، ويتربّص بإنسانيتي، ربّما يخيّل إليك أيها الماثل بين العين ورؤاها، أنّني أرتع في نعيم من ورود ورياحين، تحفّ بي ملائك من عطور وحوريات من عسل وسمن! وتجري من تحتي أنهار من خمور سحريّة، تتفجّر على ضفافها الزنابق البيضاء، لترفد النسيم بنقاء أهل عليّين.

ألا فلتعلم أيها الممتطي صهوة اللوعة حتى الاحتراق، بأنّ كلّ ما عانيته في جحيمك الأرضي من عرام الدمار وزيفان التصحّر والانهيار، ما هو إلّا انعكاس حتميّ لما يجري تحت اللوعة، وما يتجسّد في بؤرة الفجيعة!

أتراك تؤمن إيماناً قاطعاً لارجعة فيه (بأنّ لكلّ امرئ مبلغٌ يبلغه ثمّ يتوقّف عنده، لا يتعدّاه بتاتاً)؟

وأنّك  بلغت مبلغك وقضيَ الأمر كلّه؟

تحدثني عن ذلك الضرب من السّلب الذي نسميه (المرض) فهو يُدخل الجسد في برزخ رهيب بين الحياة والموت، بين الرغبة في استمرار الحياة والخشية من فقدانها.

حين يستفحل الهدم  تتداعى عوامل الانحلال في متوالية مرعبة لتستدرج الجسد إلى هاوية العدم، تاركة الروح تغرق في ذهول المفارقة وعبثية الاتصال في جدلية الفصال.

إنّ ما يلهيني عن استلابي الذي تتواطأ جراثيم التضاد على استفحاله في خلايا الجسد، هو شعوري الدائم بأنّ ملاذي الوحيد في عالم يغرق في مآثمه ودمويته، هو قلبك الذي يرفرف كحمامة بيضاء مجتازاً نيران المطامع وسخام التدمير.

قلبك الذي شرّع لعالم ما بعد الاجتياح أبواب الصفح والغفران ، فما من فكرة تعادل الرحمة، وما من غلبة إلّا للمحبة.

 أجل، أيها الروح الذي آثر الرحيل على بطلان عالم يتردى في حمّاه وفوضاه، أيها الحبيب الذي يمكث عن قرب غير محسوم ملوّحاً بشاراته البرقية من آن إلى آن، أعاهد نقاءك وأبايع صفاءك بفيضان الصدق، الذي لايثلم طهره ما يعتور هذا العالم الرازح تحت مطامع نخّاسه، وجشع تجاره، فهل ترى أيها الروح جهاداً أبلغ من أن يحتفظ المرء بهويته في طوفان الضياع؟! 

العدد 1195 - 23/04/2026