تحطيم المجتمعات

بين تحطيم العقل الذي تحدث عنه جورج لوكاش وتحطيم المجتمع الذي نعيشه الآن مسافة قصيرة، قصيرة أكثر مما نتصور..

الأولى تفضي إلى الثانية، فلو جرى إعمال العقل منذ ما قبل 15 آذار 2011 بسنوات، والتفكير ملياً بأوضاع الناس والعودة عن الحلول الاقتصادية السهلة التي أدت إلى إفقار الفقراء وزيادة ثراء الأثرياء، واحترام كرامات الناس وفسح المجال أمام الحريات السياسية، فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟! وبعد 15 آذار لو جرى كبح الغرائز الطائفية والانحيازات العمياء والاحتكام للعقل، لسوريتنا التي لا نختلف عليها، هل كانت سورية وصلت إلى ما هي عليه الآن من تفكك وطني واجتماعي؟!

 نعم، نحن وصلنا إلى تفكك وطني واجتماعي كارثي، والقادم أعظم إن استمرت طاحونة الجهل في تحطيم روح سورية وجسدها.

لدينا الآن حسب الإحصاءات الرسمية ما يقارب نصف مليون شهيد، والعدد الحقيقي هو أكثر من ذلك بكثير، وهو بكل الأحوال مرشح للازدياد بمتواليات هندسية مادام غول الحرب يلتهم مناطق جديدة، وتولد كل يوم أطراف جديدة ورايات جديدة في أتون الحرب…

لدينا ما يقارب نصف مليون ما بين معتقل ومخطوف ومختفٍ، يكادون يدخلون دائرة النسيان لفرط ما اجتمعت الآلام علينا…

لدينا أكثر من مليوني لاجئ يسكن معظمهم الخيام في البلدان المجاورة ويعيشون أسوأ ظرف إنساني للسنة الثالثة، والشتاء الثالث يدق باب مأساتهم  مأساتنا، إضافة إلى من استطاعوا الوصول إلى بلاد الحلم الأوربي وهم بمئات الآلاف، ويخوضون هناك معارك الحصول على الإقامة و(لمّ الشمل)، ليصبح الوطن السوري لهم ولأولادهم من بعدهم ذكرى وطن. لدينا أكثر من سبعة ملايين نازح داخلي هربوا من مناطق الحرب والدمار إلى مناطق آمنة، أو آمنة نسبياً، في مراكز الإيواء، أو في بيوت ضيقة، يسكن في كل منها عدد من العائلات، لمواجهة ارتفاع إيجارات المنازل وضيق ذات اليد، معظم هؤلاء خسروا بيوتهم وأرزاقهم وأحلامهم، يعيشون على أمل واهٍ بالعودة يوما ولو إلى أنقاض منازلهم بعد أن جرى (تعفيش) كل ما فيها مما أمضوا العمر وهم يشترونه بالتقسيط والعرق والتعب…

لدينا الآن خلل قاتل في التركيب السكاني، بين ريف ومدينة، بين ذكور وإناث، بين العاصمة والأطراف، خلل قاتل فعلاً إن لم تكن معالجته من أولى مهمات إعادة الإعمار التي لا ندري متى ستبدأ، فالحرب (باقية وتتمدد).

لدينا حطام مجتمع، حطام وطن، نتج عن حطام عقل لا يستطيع معالجة الأسباب فيقفز إلى النتائج، وسرعان ما تصبح النتيجة سبباً في كارثة أدهى وأمرّ، ويستمر العقل القاصر المحطم في اللهاث خلف النتيجة الجديدة، هكذا تنتقل البلاد من كارثة إلى كارثة، هكذا لا يبدو أن هناك حلاً في الأفق، سوى المزيد من الصراخ عن نصر قريب ودحر العدو وهلاهيل وزغاريد تعمق الأسى.

ما زال السوري الحقيقي الباقي يصرخ بصمت، السوري الذي لم يحمل سلاحاً، لم يقتل أحداً، لم يخطف ولم يسرق ولم يعذب، لم يتاجر بالأزمة، لم ينهش في جسد البلاد والناس، بقي يناطح أشرس ظروف يتخيلها إنسان، ليستمر هو وعائلته  من تبقّى من عائلته   في الحياة، والاستمرار في الحياة مقاومة، أشرف مقاومة، لأنها تبقي باباً يفضي إلى فرج قادم، أين ومتى؟ لا أحد يعلم إلا الراسخون في التحطيم.

العدد 1188 - 25/02/2026