السند الأقوى لصمود سورية بين قساوة القرارات ومرارة الواقع
(بعرق جباههم، وقوة سواعدهم، وعصارة أفكارهم، بنوا عوامل المنعة والقوة في الدولة السورية).
بهذه العبارة افتتح المحرر الاقتصادي في جريدة النور- العدد 652 مقالة تصف حال الطبقة العاملة السورية بدقة، والتي وقفت بالفعل سداً قوياً ومنيعاً في وجه كل من حاول النيل من هذا البلد واقتصاده عبر تاريخ سورية، وها هي اليوم وفي ظل حربٍ شرسة مجنونة أطاحت بالبشر والحجر تقف وبكل صمود رغم جراحها وآلامها وتهاوي واقعها إلى الدرك، حيث كانت فعلاً السند الأهم والأقوى والأساس في صمود سورية أربع سنوات متتالية من الدم والحصار والعقوبات وفقدان معظم مقومات الحياة، باستثناء قلب ما زال ينبض وسواعد ما زالت تعمل بالحدود الدنيا المتاحة لها من أجل استمرار ضخ الدم في شرايين المعامل والمصانع والدوائر والوزارات وكل ما له علاقة بقطاع الدولة رغم الواقع المرير والمُزري الذي يعيشه ويُعانيه جميع عمال وموظفي القطاع العام، إن كان على المستوى الشخصي أو العام.
فعلى المستوى الشخصي: تعرّض معظم أولئك العاملين والموظفين إلى التهجير وترك بيوتهم التي باتت في غالبيتها أثراً بعد عين بحكم ما جرى في غالبية المناطق من اقتتال أو نهب، مما دفعهم إما لمراكز الإيواء واللجوء بكل ما تحمله من مآسٍ مادية ومعنوية في ظل انتفاء الخصوصية، وإما للاستئجار بأسعار سياحية مرعبة حتى تخال أن البيت المستأجر في منطقة راقية أو أنه مفروش بأفخم الأثاث، مع أنه في الواقع بيت خاو من كل شيء حتى من الشروط الصحية للسكن، ولا يستحق في أحسن الأحوال أقل من ربع المبلغ المطلوب، وهذا بالطبع قد استنفذ معظم إن لم يكن كامل الراتب الشهري للعامل أو الموظف، وبالتالي صار لزاماً عليه البحث عن مصدر رزق آخر من أجل تأمين لقمة العيش والدواء لأسرته في ظل غلاء فاحش ووقح لم يجد من يردعه، وبطالة قاسية طالت مصادر رزق أساسية ووحيدة. هذا عدا عن معاناة المواصلات اليومية ابتداءً من الازدحام الدائم على الحواجز الأمنية وفي وسائل النقل التي بات إيجاد مكان فيها حلماً آخر يُضاف إلى أحلامنا المعيشية رغم ارتفاع قيمة تذكرتها التي تلتهم قسطاً لا بأس به من الراتب الشهري، لاسيما للقاطنين في المناطق النائية، وهو بالتأكيد ما يجعل من الذهاب للعمل رحلة يومية طويلة وشاقة تستغرق في كثير من الأحيان حوالي الساعتين ذهاباً ومثلهما إياباً، ما يعمل على استنفاذ طاقة وأعصاب الإنسان، ولا يفوتنا أن وضع المرأة العاملة/ الأم أكثر قساوة وصعوبة، لأنه بالإضافة إلى عملها خارج البيت تناط بها أعمال أخرى داخله، لاسيما في ظل انقطاع الماء والكهرباء المتواصل، مما يجعلها تبذل جهداً أكبر في وقت أقل، يُضاف إلى هذا الأوضاع الاقتصادية والمادية المتردية للأسرة، وإحساسها بالعجز في كثير من الأحيان، مما يجعل من مهامها عبئاً ثقيلاً ومريراً بحكم أنها مشتتة ما بين بيتها وأسرتها، وما بين الواجب الوظيفي وضرورة التقيّد الشديد بساعات العمل دون الأخذ بالحسبان الوضع الأمني الذي تعيشه معظم المناطق، لتكون تلك العاملة في كثير من الأحيان عرضةً للعقوبات إن لم يكن للتسريح بسبب التأخير المتكرر أو التغيّب المتواصل عن العمل، ما يدفع بالكثيرات لطلب إجازات بلا أجر تزداد معها المعاناة الاقتصادية، لاسيما إذا ما علمنا أن العديد من أسر العاملات تعتاش على رواتبهن فقط.
طبعاً فضلاً عن الوضع الاجتماعي- التربوي الذي تُعانيه المرأة العاملة كأم ينتظرها أطفالها إن لم يكن عند أحد الأقارب أو الجيران، فحكماً سيكونون في الشارع بحكم دوامها الطويل، وبحكم ارتفاع أقساط رياض الأطفال لمستويات منعت الكثيرات من اللجوء إليها، فلنتخيّل هذا الوضع التربوي- النفسي المأساوي للطرفين( الأم والأولاد)، والذي يجعلها تُعاني الغربة والضغط النفسي والإرهاق العملي الناتج عن تحمّلها ما يفوق طاقتها وقدراتها، ليسود الانفعال الذي يشمل جميع الحالات الوجدانية التي تكوّن شخصيتها، وعندما يصبح الانفعال مزمناً ولذات الظروف واستمراريتها، فإنه يتحول لمرض عضوي.
أما على المستوى العام (الحكومي): فإن الوضع ليس أفضل حالاً بالنسبة للعمال أو الموظفين، فبدل أن يتم الاهتمام بأوضاعهم ومساعدتهم على تخطي ظروفهم المعيشية القاسية من قبل الحكومة، باعتبارهم السند القوي والأساس لعملها ووجودها، يجري العكس، فقد جعلتهم الحكومات المتعاقبة محور عملها وقراراتها وتعاميمها الدائمة المتكررة ولكن بمنحىً سلبي، خصوصاً فيما يتعلق بالتقيّد بأوقات وساعات العمل دون النظر لأزمة المواصلات والحواجز، مما يجعل غالبية العمال والموظفين تحت مظلة العقوبات المادية والمعنوية، أو التسريح إن تجاوز عدد أيام الغياب مدة معينة، وطبعاً لا يفوتنا وجود مبدأ الواسطة والمحسوبيات للبعض الذي يُعفى من كل هذا، لتجده لا يحضر لعمله سوى بضع ساعات أو أيام في الشهر، ويأخذ مستحقاته كاملة لاسيما تلك التي تحتاج إلى دوام أو إنتاج فعلي بناءً على قانون العاملين الأساسي (الحوافز الإنتاجية، الإضافي، الترفيعات الدورية، ووو). بالتأكيد هذا الوضع يخلق بين العاملين حساسيات وشعوراً بالظلم مما يدفع بالعامل المواظب إلى إهمال عمله أو الإقلال من إنتاجيته. وهنا نجد أن إلحاح الحكومة على التقيّد بساعات عمل طويلة يتنافى مع قراراتها الداعية إلى تقليص وضغط النفقات، لأن كل وقت زائد عن الحد الذي يحتاجه العمل ولو كان نصف ساعة، فإنه يستهلك كهرباء وماء وأشياء أخرى تفوق في قيمتها ما تُطالب الحكومة بتقليصه من نفقات، لاسيما إذا ما علمنا أن العديد من المعامل والدوائر الحكومية قد انخفضت إنتاجيتها أو توقفت بحكم الظروف السائدة، فما الداعي إذاً لإرغام العامل أو الموظف على البقاء في مكان العمل مدة أطول تُكلّف الدولة مبالغ لا داعي لها أساساً، في الوقت الذي يُحرم فيه العاملون بعض امتيازاتهم بحجة ضغط النفقات، مثل إيقاف وسائط نقل الموظفين والعاملين أحياناً كثيرة لعدم توفر مادة المازوت التي تحتاجها تلك الوسائط.
أما على صعيد الإجازات المستحقة(إدارية، مرضية.. الخ) والتي باتت هي الأخرى عُرضة لإجراءات روتينية ممّلة، حيث تحتاج الإجازة الطويلة لاسيما غير المأجورة إلى موافقات أمنية قد تأخذ الوقت الذي يحتاجه العامل أو الموظف للقيام بمهام خاصة له أو لأسرته. وهذا ما ينطبق أيضاً على الاستقالة التي يتقدم بها موظف أو عامل لبلوغه مدة الخدمة التي حددها القانون للتقاعد، باستثناء التقاعد القائم على بلوغ العامل سن التقاعد الطبيعي (60 سنة). طبعاً ناهيك عن موضوع الطبابة العمالية والتي هي حق مكتسب للعامل والموظف، التي تخضع أحياناً كثيرة لمزاجية الوزراء أو المديرين، ففي الوقت الذي يتمُّ صرف نفقات غير ضرورية من أجل أمور يمكن الاستغناء عنها، يتمُّ منع صرف بعض ما يتعلق بالطبابة وتقليص نفقات بعضها الآخر، والذريعة الدائمة أن لا اعتمادات مالية كافية في موازنة هذه الوزارة أو المؤسسة، في الوقت الذي تُصرّح به الحكومة عن رصد اعتمادات سنوية لا تتوافق والواقع الحقيقي.
وكان آخر التعاميم الأشدُّ قسوة في ظل شتاء بارد جداً تعميم منع التدفئة على الكهرباء في أماكن العمل، والاكتفاء بالتدفئة المركزية القائمة على مادة المازوت الذي لم يصل منه ليتر واحد إلى الدوائر والمعامل لغرض التدفئة. فكيف لهذا الموظف أو العامل أن يقوم بعمله وهو يرتجف برداً إن لم يكن مريضاً أساساً بحكم انعدام وسائل التدفئة في البيت..؟
ويبقى الحيّز الأهم للرواتب والأجور الراسخة رسوخ الجبال في أماكنها رغم كل ما طرأ من انخفاض على قيمة الليرة، ورغم الغلاء المستفحل والمتوحش الذي طال كل شيء، حتى الهواء الذي بات ملوّثاً، مما فرض وجود أمراض تنفسية وسواها تتطلب علاجاً يتجاهله غالبية ذوي الدخل المحدود ومن في حكمهم من شرائح فقيرة تعمل بأجر يومي أو عاطلة عن العمل. فالراتب الشهري لم يعد يكفي لأيام معدودات ولأمور قليلة مُلحّة تتطلبها الأسرة، ليخرج علينا وزير المالية بالقول أن دعم المواطن لا يكون فقط بزيادة الرواتب والأجور وإنما بأماكن ومواضيع عديدة دون أن ينتبه إلى ذلك..!!؟؟ فلا الدعم اهتدينا إليه..!! ولا زيادة الأجور والرواتب طلناها.
لا يمكننا أن نُنكر أن ما تعيشه البلاد من حرب شرسة تتطلب إجراءات استثنائية مؤقتة، ولكن شريطة أن تطال الجميع بلا استثناءات أو محسوبيات، ولكن في ذات الوقت لا بدّ من دعم من بقي صامداً وراسخاً في عمله من أجل أن تُصان سيادة البلاد… فهل يستحق السند الأقوى لصمود سورية واقتصادها كل هذه المعاملة القاسية والخالية من أيّة تشجيعات أو مُحفّزات تكون عوناً لها لتجاوز أزماتها ومآسيها من أجل أن تبقى ودائماً السند الأقوى والسد المنيع الحصين في وجه كل من يريد أن يستبيح استقلالية وسيادة البلاد..!؟