في اليوم العالمي للمرأة: من تاريخ الصحافة النسائية في سورية والبلدان العربية

ازدهرت الصحافة النسائية العربية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.. فقد أصدرت بعض الكاتبات من سورية ولبنان ومصر والعراق مجلات خاصة بالمرأة في القاهرة والإسكندرية وبيروت ودمشق وبغداد، ساهمت في نشر الوعي الوطني التحرري والثقافي والسياسي، إضافة إلى دورها في مقاربة الوضع  الاجتماعي للمرأة بوصفها جزءاً لا يتجزأ من وضع المجتمع العربي.

كما كتبت بعض المثقفات العربيات ونشرت في الصحافة العامة التي كانت تصدر آنذاك، وقد تضمنت المجلات النسائية العربية في حينه الشعر والنثر والمقالة والنقد.. إلخ، وعالجت موضوعات مختلفة خاصة القضايا المتعلقة بالمرأة، وبلغ عدد المجلات النسائية بداية القرن العشرين (1901-1915) خمساً وعشرين مجلة نسائية، منها خمس عشرة أصدرتها نساء، وقد لعبت هذه المجلات والكتابات النسائية دوراً تنويرياً وتثقيفياً في الحياة العربية والقومية بشكل عام وفي فهم أوضاع المرأة بشكل خاص.

 عبرت معظم الكتابات النسائية على نحو أو آخر عن:

1- التلازم الوثيق بين النضال الوطني التحرري والنضال من أجل تحرير المرأة.

2- التوجه القومي المعادي للاحتلال العثماني، وللسيطرة الاستعمارية للانتدابين الفرنسي والبريطاني (الفترة التي شهدت يقظة الوعي السياسي أولاً ضد الإمبراطورية العثمانية، ومن ثم ضد الانتداب الغربي)، وأبرز هذه المجلات:

 

(العروس)

أول مجلة نسائية تصدرها امرأة سورية، وقد أنشأتها المناضلة المرموقة ماري عجمي عام 1910 وكانت تطبع في مدينة حمص. استمرت حتى عام 1914 وتوقفت بسبب مناهضتها للاستبداد العثماني ونشوب الحرب العالمية الأولى، وما إن وضعت الحرب  أوزارها حتى عادت إلى الصدور عام 1926 ثم توقفت نهائياً. كانت (العروس) مجلة نسائية علمية أدبية لها طابع فكاهي.

أرادت ماري عجمي من إصدار مجلتها (العروس) أن تجعل منها منبراً للأدب والفكر الإصلاحي والتربية، ودعوة إلى تحرير المرأة من قيودها، والرجل من جموده.. فكانت رائدة في هذا الحقل، وقد ساهم في الكتابة لهذه المجلة كبار الأدباء والقراء الذين عاصروها أمثال جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبي ماضي، ومعروف الرصافي، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وشبلي الملاط، وفارس الخوري، وغيرهم، إضافة إلى العديد من النساء، مما يدل على أهمية المجلة وانتشارها في عواصم العالم العربي وبلاد الاغتراب.

لقد وجدت ماري عجمي في الصحافة وسيلة هامة للدعوة إلى تحرير المجتمع، ومكافحة الأمية والجهل، ومناهضة الاستعمار، واليقظة العربية الشاملة، والدعوة إلى تحرير المرأة، فكانت المجلة رسالة تنويرية كصاحبتها التي ربطت حياتها بمسألتين هامتين جداً: الصحافة والسياسة، إضافة إلى (العروس) كتبت ماري في مجلات عديدة منها (الحارس)، و(الطليعة)، و(الطريق) وغيرها.

(نور الفيحاء) السورية لصاحبتها السيدة نازك العابد

صدرت هذه المجلة في شهر كانون الثاني عام 1920 تحت شعار (إنهاض المرأة السورية ودفعها للمطالبة بحقوقها السياسية). كانت مجلة من نوع جديد، أول ما طرحته هو مسألة حق المرأة في الانتخابات التشريعية، وكانت أول امرأة سورية تتجرأ على المناداة بهذا الحق في زمن كان الرأي والموقف فيه حكراً على الرجال.

ولم تتوجه نازك العابد بهذا إلى المرأة السورية فقط، بل دعت النساء العربيات إلى النهوض والمطالبة بحقوقهن السياسية، يقيناً منها بما للموقع السياسي من تأثير على أوضاع المرأة وتقدمها.

وقد حملت الأعداد القليلة التي صدرت صوراً من التطور الاجتماعي والوطني، وقد كتب العديد من المفكرين والأدباء السوريين في هذه المجلة التي طالبت في كل أعدادها الحكومة العربية الأولى في سورية بإعطاء المرأة حقها في الانتخابات. وقد جرى بحث هذا الموضوع في  المؤتمر السوري الذي عقد في دمشق لتوحيد الموقف حول الانتداب  وحرية البلاد ووحدتها.

وقد وصفت ماري عجمي كتابات نازك العابد في (العروس) وفي (نور الفيحاء) بقولها:

(نازك فتاة الاشتراكية الطافحة القلب بالآمال الكبيرة، وكانت نازك العابد تلقب بـ(جان دارك الشرق).

(المرأة السورية)

صدرت مجلة (المرأة السورية) لصاحبتها عفيفة كرم عام 1911.

مجلة (المرأة)

أسست نديمة المنقاري الصابوني من حلب مجلة (المرأة) في 31 تشرين الأول عام 1930 وبهذا ملأت فراغاً كبيراً بعد توقف مجلة (العروس) عام 1926 و(نور الفيحاء)، فشجعت الكثير من النساء المتعلمات على الكتابة والمطالبة بحقوقهن، كما طرحت المجلة أهمية التعليم والعمل للنساء، ولكن السلطات الفرنسية عملت على تعطيلها حتى انتقلت إلى دمشق عام 1947 واستأنفت الصدور.

ومن النساء الأوائل اللواتي كتبن في الصحافة ماريانا مراش (1848-1919) التي اهتمت بكتابة المقالات الأدبية والاجتماعية في مجلة (الجنان) التي كان يصدرها المعلم بطرس البستاني، وفي جريدة (لسان الحال). إن ظهور شابة تكتب في الصحافة وتنظم الشعر وتعزف الموسيقا وتفتح صالوناً أدبياً كان الوحيد من نوعه في الشرق في فترة حالكة الظلام في العهد العثماني، لأمر يثير الدهشة والاستغراب.

ومن المجلات النسائية اللبنانية

مجلة (الفتاة)

كان قد سبق (العروس) مجلة نسائية هي مجلة (الفتاة) لصاحبتها هند نوفل من بيروت عام 1892 ثم رحلت هند نوفل مع أهلها إلى الاسكندرية، واستمرت في إصدار مجلتها التي ساهم فيها عدد كبير من الكتاب والأدباء حتى عام 1894.

مجلة (الأنيس)

صدرت مجلة (الأنيس) في كانون الثاني عام 1898 في الإسكندرية لصاحبتها اللبنانية ألكسندرا الخوري، إضافة إلى مجلة (اللوتس) بالفرنسية، واتخذت من مجلتها منبراً للدفاع عن المرأة  العربية وحقوقها.

وصدرت تباعاً المجلات النسائية التالية: (الخدر) لعفيفة صعب في لبنان عام ،1912 و(فتاة لبنان) لسليمة أبو راشد في بيروت 1912.

مجلة (مينرفا) الأسبوعية

لصاحبتها ماري يني من لبنان، صدرت في بيروت في 24 أيلول عام 1916 أنشأتها صاحبتها بخط اليد في عهدها الأول مراعاة للأحوال المادية أثناء الحرب العالمية الأولى. كان ينشر في مجلة (منيرفا) أدباء من لبنان وسورية ومصر والبلدان العربية أمثال أمين الريحاني وعمر فاخوري وغيرهما.. وقد ترجم الأديب عمر فاخوري كتاباً يتضمن آراء أناتول فرانس أهدته إدارة مجلة (مينرفا) إلى قرائها.

مجلة (المرأة الجديدة)

ومن المجلات النسائية المرموقة التي صدرت في بيروت (المرأة الجديدة) لصاحبتها جوليا طعمة دمشقية، عالجت فيها مشاكل المرأة اللبنانية والعربية، ثم أتبعتها بمجلة أسبوعية للأطفال (سمير الصغار) ومجلة أدبية أسبوعية (النديم).

استمرت مجلة (المرأة الجديدة) ستة أعوام (1921-1926) احتوت على الكثير من الموضوعات العلمية والاجتماعية والاقتصادية، ودعت المرأة لممارسة حقوقها السياسية بالحصول على حق الانتخاب العام.

 وفي مصر صدرت مجلة (المرأة) لأنيسة عطالله عام 1901 و(السعادة) لرودينا عواد عام 1902 و(شجرة الدر) لسعدية عبد الدين في الإسكندرية عام 1901 و(فتاة النيل) لسارة المحيا في القاهرة عام 1913.

هذه لمحة تاريخية موجزة جداً عن بعض الرائدات في مجال الصحافة، إلا أن هناك الكثير من الأسماء النسائية العربية اللامعة في التاريخ القديم والمعاصر في مجال الصحافة والسياسة والأدب والفن تحتاج كل واحدة منهن إلى بحث خاص، فعذراً وتحية لكل الرائدات.

العدد 929 - 30/09/2020