العاصفة الصفراء

كان الوقت عصراً حين بدأ الجو يكفهر، والشمس التي تتجه غرباً بدت عينها صفراء باهتة وكأنها هي الأخرى مريضة باليرقان، إنها العاصفة الرملية القادمة من الصحراء، الأطفال الذين لم يشهدوا الظاهرة مسبقاً أصابهم الذعر، ابنتي الصغيرة نور تساءلت بحيرة: لماذا يفعل الله هذا؟ أختها المشاكسة ردت: أظنه يوم القيامة! فضحكت وسألتها: إذا كان يوم القيامة ما الذي ترغبين بفعله؟ أجابت فوراً: سآكل علبة (الشوكولا) كلها…

كنت قد أغلقت النوافذ بإحكام لكيلا يتسرب التراب الى البيت، وفرضت حظراً للتجول بأن أقفلت الباب أيضاً، فشعر الجميع بالضجر، قدمت لهن (الشوكولا)، فسعدن بأكله ناسيات موضوع القيامة، وأنا الأخرى تذكرت حين كنا صغاراً كنا نشتري (شوكولا) مغلفة بورق سيلوفان لونه أحمر أو أصفر، كنا نلتهم الحبات اللذيذة ثم نمسك الورقة ونضعها أمام عيوننا، فتبدو لنا الدنيا بلون سحري غريب، نفتن باللعبة، فنتبادل الورقات لنرى العالم بصفرته الناعسة تارة، وبحمرته الصاخبة حيناً آخر، رحت أنظر من زجاج النافذة فأرى المنظر وكأنه آت من وراء سيلوفان أصفر عتيق، وأفكر كيف أن الطقس يؤثر على مزاجنا كشرقيين بشكل مدهش، فترانا نحتفل بالثلج مثل عرس، ونهتف لهطول المطر، ونتلذذ بأشعة الشمس، ونحمل الهواء أشواقنا للحبيب الغائب، حتى الضباب له شاعريته، إلا هذه العواصف الرملية نعتبرها مثل لعنة، فنطلق عليها اسم (السموم)! فهل السبب مرتبط بما تمثله الصحراء للإنسان الحضري الذي مازالت ذاكرة أجداده بل حتى آبائه تحتفظ بذكرى الغزوات البدوية التي كانت تجتاح أراضيهم وتنهب المحاصيل التي تعبوا فيها طوال الموسم؟ والآن ماذا تمثل لنا الصحراء؟ أليست هي الفكر المتحجر الذي يحمله البدو الجدد أهل الأبراج و(المولات)؟ أليست تلك القنوات التلفزيونية التي تنشر بيننا نمطاً صحراوياً ومشاعر جافة وأفقاً قاحلاً؟ هل كنا نتخيل قبلاً أن يجد أطفالنا أنفسهم أمام محطة دينية موجهة لهم؟ أو أن يتابع شبابنا قناة مخصصة بالتزويج وفق أحدث وصفات الزواج الذي اخترعوه لملاءمة مزاجهم (وكلو بالحلال)! ناهيك عن قنوات الشعوذة والدجل والفن الهابط والفتنة المذهبية والفتاوى المجنونة وغيرها من سموم…

صباح الجمعة خرجت الى حديقة بيتي، كانت العاصفة قد ولت تاركة رمالها فوق الأرض وعلى أوراق الشجر، حتى الوردة الجورية اتسخ وجهها النضر، ولكن الشمس كانت مشرقة، واليوم هو السابع عشر من نيسان،و هل يليق به إلا الشمس الساطعة؟ فتحت الحنفية فتدفقت مياه الفيجة عذبة نقية، رحت أغسل كل شيء من أثر الرمال وأنا أتساءل بدهشة عن سر هذا النبع العجيب: كيف يروي أهل الشام جميعاً رغم أن كل بيت حديث بات يحتاج في وقتنا الى نبع خاص به؟ أليست هذه معجزة؟ كلما رأيت تدفقه اشتهيت أن أشرب مباشرة من(الفيجة) كما يسميها أهل الشام ، وهذه العادة مازلنا قادرين على التمتع بها منذ طفولتنا، وربما هي نعمة نمتاز بها عن كل البلدان حولنا ممن لا يشربون مياهاً إلا معبأة في زجاجات…

ببعض الجهد عاد كل شيء لماعاً بهياً كما كان، وسرعان ما عادت العصافير تلعب حولنا، وفاح عطر الورود، إنه الوجه الطبيعي لأرضنا، وكما عاد كل شيء هنا الى أصله، ستعود الصحراء يوماً الى أصلها حين ينضب نبعها الأسود، وتذكرت أني قرأت يوماً نبوءة لكاتبة سعودية متمردة، إذ رأت الجنان المصطنعة في بلادهم، فتساءلت: ألن ينضب نفطنا؟ ووقتها ستجف هذه الحدائق المروية وتستعيد الصحراء سطوتها؟. أنا واثقة أن نبوءة الكاتبة ستصدق في يوم ليس ببعيد… ووقتها سيعود البدو الى أماكنهم الطبيعية، يرعون إبلهم ويتفاخرون بعنترياتهم الكاذبة. أما نحن فسنبقى في جنتنا التي تجري تحتها وحولها الأنهار، وسنقاوم مدّ الصحراء بنفوسنا الخضراء.  حين خرجت نور الى الحديقة نبهتني الى أن أوراق دالية العنب ما تزال متسخة، فطمأنتها بأن كل شيء سيعود كما كان مع (مطرة نيسان) التي ستزورنا لا محالة كما تفعل في كل سنة مستجيبة لدعوات المزارعين القدماء.

العدد 1195 - 23/04/2026