أهمية التنظيم الأسري في تربية الأطفال

يتجلى التنظيم غير العادل بين أعضاء الأسرة، في أن تتحمل الأم مثلاً أعباء الرعاية المنزلية، وتشغل وقتها إلى درجة أنها تنسى أمومتها، وينعكس ذلك على سلوكها وتصرّفاتها، فلابدَّ من أن تتعاون الأسرة وتتقاسم الأعباء، وتوجد المناسبات للترفيه عن أفرادها الذين يتحملون العبء الأكبر لتوفير جو من الرضا والرفاهية في الأسرة، ولا ترتبط أفراح الأسرة بالدخل المادي، فإن سعادة بعض الأسر الفقيرة تفوق سعادة بعض الأسر الغنية، المهم هو ترشيد مطالب الأسرة، والكف عن الرغبة في التقليد التي تؤدي أحياناً إلى تدمير حياة الأسرة تحت تقليد المظاهر الكاذبة، وتغرس لدى الطفل الأثرة وعدم تحمّل المسؤولية، ويتصل بهذا الأمر ما يُعطَى للأطفال من مصروف يومي، فيجب أن يشعر الطفل بمسؤوليته تجاه ما ينفق، بالمراقبة، ومنحه ما يلبي حاجته فحسب، فإذا كبر مُنح بعض الاستقلال في الإنفاق كي يتعلم تقدير قيمة ما يُمنح.

إن هذه النصائح هي ثمرة تجارب شعبية مارسها الآباء والأجداد واصطلح عليها الجيل بعد الجيل، وهي جديرة بالاحترام، ومع أن الجدّ والجدة قد تبدل دورهما، فلم يبقيا اليوم العاجزين الطاعنين في السن، المتفرغين للقصص، إنهم الآن من ذوي الأعمار المتوسطة، يساعدون في تربية الحفدة، ويستمدون قوتهم مما يقدمه لهم الآباء والحفدة من احترام وتقدير..

وقد يكون من الصعب المواءمة بين أفكار أجيال عدة في الأسرة الواحدة، لكن الحياة تفرض علينا أن نجد لوناً من التكيف، وعالج هذا الموضوع المربي (ف.ينغودوف ويويو شيريان) في كتابهما: (فن التربية في الأسرة) فرأيا أن هيبة كبار السن في الأسرة ترتبط بعوامل وشروط كثيرة منها: علاقة الأبوين بأهلهم، ورعايتهم لهم واهتمامهما بهم، فالجد والجدة يحلان محل الأبوين المشغولين برعاية الصغار، ومن هنا يستمدان هيبتهما في الأسرة وتقديرهما، والطفل يميل للإنسان الكبير، ويتعلّق به بسبب اهتمامه به وتجربته وحكمته وتضحياته، ويستمر هذا التقدير بعد البلوغ، ويردّ لهما الطفل الجميل، إذا كان المناخ العائلي سليماً، بل يتحملان عجزهما ومرضهما في الشيخوخة، فالتواصل بين الأجيال مبدأ إنساني لاستمرار الحياة، حتى في مسألة الصراع بين الكنّة وحماتها، فقد يكون استخفاف الكبار بأنفسهم وتدخلهم فيما لا يعنيهم مصدراً للخلاف، وقد يكون سوء تربية الكنّة وضيق أفقها مصدراً له، إذ تريد أن تحرم الأم (الحماة) دورها وحنانها، وهي التي تريد أن يمتد هذا الحنان إلى الحفدة أيضاً..

قد نجد بعض هؤلاء الكبار يغلبه حنانه، فينصب نفسه مدافعاً عن الصغار ويفسد تربيتهم، وبعضهم يحكّم عقله في التربية، ويقدم حكمته وتجاربه، وهي ضرورية للمجتمع.

إننا ندرك هيبة الكبار في عيون الصغار، ونتعرّفها من خلال نتائجهم التربوية، والمسألة لا تتعلق هنا بالعلم أو الثقافة والنصائح والتجليات، المهم أن ننقل ما نملكه من سمات إنسانية جيدة لأطفالنا بالعمل والقول دون أن نشعر الطفل بأننا نناقض بينهما في تصرفاتنا، فذلك يسقط هيبتنا، فتربية الطفل تتمثل في كل تصرف يقوم به الأبوان، وفي كل لحظة من حياتهما، مثلما تعتمد على (تكتيك) تربوي يُحدّده جو الأسرة..

العدد 1195 - 23/04/2026