الدواء الوطني.. 56% ولكن الواقع صادم

تكلل شهر آب بمفاجأة حكومية كبيرة وثمينة قدمتها للمواطن السوري وهي رفع سعر الأدوية الوطنية بنسبة 50% وأكثر، وقد جاء هذا القرار صادماً للمجتمع السوري الذي يعيش حرباً على الصعد كافة والمستويات الاجتماعية والخدمية، ولاقى هذا القرار نقداً كبيراً لوزارة الصحة السورية التي أهملت واجبها المهني في رعاية المواطن والاهتمام به وتوعيته والوقوف إلى جانبه في هذه الحرب التي تعيشها البلاد، ولكنها أغفلت كل هذا لترعى مجموعة من التجار بقرارها هذا لا أن تكون عادلة وأن تقدم على هذه الخطوة بدراسة الجدوى لإنتاج الأدوية. وقد جاء تصريح رئيس نقابة عمال الصحة في دمشق صريحاً وواضحاً بذلك ومنتقداً قرار الوزارة الذي لم يعتمد الدراسة، إذ أشار في تصريحه إلى أنه يوجد أدوية رابحة بنسبة 100% لدى معظم الشركات، وأن صناعة الأدوية وفق خبرته لم تكن خاسرة أصلاً ليرفع سعر الدواء، وإنما انخفضت أرباح شركات الأدوية الخاصة بنسب معينة، فاعترضت على ذلك، ما دفعها إلى الضغط لإصدار قرار الرفع الأخير.

كما تساءل: لماذا رُفع سعر جميع الأدوية 50% رغم وجود أدوية رابحة وبنسب كبيرة؟ ولماذا لم توضع دراسة لمعرفة الأدوية الخاسرة وفق مزاعمهم ورفع سعرها فقط؟ مؤكداً أن قرار رفع سعر الأدوية لم يأخذ في الحسبان إمكانات المواطن المادية، إذ يوجد الكثير من المواطنين لديهم أمراض مزمنة ويتناولون مثلاً أدوية الضغط، ويحتاجون هذا الدواء بشكل يومي، ما سيشكل عبئاً مادياً ضخماً عليهم.

تساءلت (النور) عن موضوع رفع سعر الأدوية في جولة استطلاعية على واقع هذا القرار، فكانت الآراء مختلفة ومتنوعة وكلها تصب بقالب أن هذا القرار مجحف وسيئ، ويجب أن تعيد الوزارة دراسته مرة أخرى. وبجولتنا التقينا الآنسة صبا وهي صيدلانية، فقالت لنا: إذا أردتم الحق هذا القرار ظالم للمواطن، فهامش الربح بالأدوية جيد بالنسبة لنا كصيادلة، وقد رفعت شركات الدواء مسبقاً أسعار الأدوية، وهناك شركات صغّرت حجم حبة الدواء لبعض الأدوية أو خفضت عدد الأقراص الموجودة في العلبة، وقد فوجئنا بهذا القرار ونحن ملزمون بالتطبيق.

وبسؤالنا لصيدلانية أخرى عن رأيها بهذا القرار، قالت السيدة عبير: لا أعرف ماذا أقول! للأسف هذا القرار فيه ظلم كبير للمواطن، فهناك أدوية أسعارها مرتفعة ولم تراعِ الوزارة وضع المصابين بأمراض القلب والسكري وغيرها من الأمراض، الذين يحتاجون للدواء بشكل دائم وأسعار أدويتهم مرتفعة جداً، فكيف سيشترون الدواء اليوم؟!

وقد صادفنا في جولتنا معلماً متقاعداً يعاني من مرض القلب وسألناه عن كلفة دوائه، فقال الأستاذ أحمد: إلى أين تريد أن توصلنا الحكومة وقراراتها؟ أنا أعاني من مرض القلب وكل شهر احتاج إلى مبلغ 5000 ليرة سورية وأكثر ثمن دواء، واليوم بتّ أحتاج إلى أكثر من 8000 ليرة سورية، فكيف أستطيع أن أعيش؟ هل تستطيع وزارة الصحة أن تجيبنا وتمنحنا مخصصات شهرية لشراء الدواء؟ 

وفي جولتنا سألنا بطريقتنا الخاصة عن أسعار الأدوية، فكانت الزيادة لبعض الأدوية أكثر من 70% في الكثير من الصيدليات، وكل صيدلية لها أسعارها الخاصة، فبات سعر الأدوية كبازار سوق الهال، كلّ يسعّر على كيفه وبمراقه الخاص ولجان الرقابة تائهة بين (حانا ومانا)، والمواطن معلق على جدار القرار وهو يبتلع الطعم كعادته.

وسؤالنا هنا لوزارة الصحة السورية: هل أنجزتم دراسة التكلفة الإنتاجية للأدوية؟ وهل كل الأدوية ذات تكلفة موحدة ليصدر قرار الرفع للكل لا لكل نوع على حدة؟ مَن المستفيد من هذا القرار: تجار الأدوية وصانعوها أم الصيادلة؟ أما المواطن السوري الكادح فقد بات مرمى لكراتكم تقذفونها بالطريقة التي تريدونها وكيفما تشاؤون؟!

 

بلدية اللاذقية:

 لشارع الريجي لون آخر

لم يكن قرار رفع سعر الأدوية القصة كلها في أيام الحرب التي يعيشها المواطن، بل كان هناك قصص وحكايا أخرى يصيغها المسؤولون كلّ على مزاجه الخاص، كما فعلت محافظة اللاذقية في شارع الريجي منذ أيام كعادتها لتغطي على ضعف الأداء الخدمي في المحافظة التي تملأ شوارعها وأحياءها القاذورات وأكوام القمامة والروائح النتنة، فراحت تحارب أصحاب البسطات بإزالتها ومنع الفقراء الكادحين من تأمين لقمة عيش أطفالهم. وبجولة لنا بشارع الريجي في اللاذقية للاطلاع على واقع أصحاب البسطات حصلنا على إجابات كثيرة: إن معظم أصحاب البسطات في هذا الشارع الذي تلونه ضحكات الناس الممزوجة بوجعهم وغربتهم هم من المهجرين الذين يعملون لتأمين قوتهم وقوت أطفالهم اليومي. وبسؤالنا لهم عن واقع ما يحدث قال لنا أبو مصطفى (وهو بائع خضار): ماذا تريد البلدية منا؟ نحن نعمل ليل نهار لتأمين لقمة عيش أطفالنا! أنا لدي 5 أطفال وهذه البسطة مصدر رزقي كل عدة أيام تأتي البلدية وتزيل بسطاتنا، إذا كنا نزعجهم فليؤمّنوا لنا عملاً أو يعطونا رواتب شهرية تعيلنا.

وكان لثائر رأي آخر (وهو بائع لمواد التنظيفات) إذ قال: بتنا الطعم السهل للبلدية وللجميع فكيف نعيش؟ هل نجلس من دون عمل ويموت أطفالنا من الجوع؟ إن كانت المساعدات التي تأتي على اسمنا لا نحصل عليها، وإن حصلنا نحصل على جزء بسيط منها؟!

أما أبو بشار فقال: كل أيامنا نعيشها بذل، وأضاف والدمعة بعينيه متذكراً حلب: (تهجّرنا من حلب غصباً عنا وعم ننذل باليوم أكتر من مرة لنأمن لقمة عيش أطفالنا وساكتين ما عم نحكي، الله يفرجها علينا وعلى البلد ونرجع لبيوتنا!).

بالمصادفة علمنا أن (أبو بشار) خريج جامعي ويعمل بائعاً على بسطة ليعيل أسرته ويعيش أطفاله الصغار الذين حرمتهم الحرب من التعلم ومن بهجة الحياة كما حرمت أطفالنا من الفرح.

جريدة (النور) تتوجه لمحافظة اللاذقية بمقترح يعالج مشكلة هؤلاء الكادحين ويصون كرامتهم، والمقترح: لماذا لا تقوم المحافظة بتنظيم البسطات بطريقة جميلة ومرتبة كما الحال في العاصمة دمشق؟ وبذلك تكون عملت على منح أصحاب البسطات من المهجرين والفقراء إمكانية تأمين لقمة عيش أطفالهم وكسبهم وتهدئة نفوسهم ومنحهم الأمان الذي يبحثون عنه ومطالبتهم بتنظيف أماكن وجودهم، فهمّ المواطن هو تأمين لقمة عيشه لا أكثر، همّه العيش تحت سقف الوطن بأمان بعد أن هجّرته الحرب من مدينته.

المواطن السوري الكادح الذي ذاق ويلات الحرب بكل أشكالها، وذاق مرارة ضياع حقه في العيش بكرامة بعد أن طالت حرب القرارات أبسط خدماته المعيشية ينظر إلى أيلول بتفاؤل وأمل جديد لعله المخلص لمعاناته من لهيب الحرب التي جعلت عنب آب مراً كالعلقم.

العدد 1194 - 15/04/2026