السيد وزير التربية.. هموم العام الدراسي متعددة فهل من حلول لها؟!

قد لا آتي بجديد إن قلت إن التربية لها دوْران، الأول في المنزل ويتولاه الأهل، وبات بحكم الملغى بسبب تشتت اهتمام الأبوين بتأمين لقمة العيش ومستلزمات المسكن والملبس في الكثير من الأسر التي هجّرتها الأحداث الأليمة التي تقترب من عامها الخامس دون خجل ممّن أشعلوها، والثاني في المدرسة ويتولاه الجهاز التدريسي والإداري، وبات في حالة شبه موت سريري بسبب الانتشار المخيف للساعات الخصوصية وعدم جدية العديد من المدرسين بإيصال المعلومة كما يجب إلى الطالب. وأعتقد أن كثيرين يرون أرتال الطلبة وهم في طريقهم إلى منازل مدرّسيهم في العديد من الحالات، وإلى المعاهد الخاصة التي لا يتغيّب فيها عن الحصة الدرسيّة، أيّ مدرّس ولو لدقيقة، ولا يخرج قبل انتهاء الوقت لأي سبب كان، بعكس ما هو عليه الحال في المدارس العامة!!

وإذا كنّا على مدى أعوام من عمر الأحداث قد شهدنا استثماراً بشعاً من قبل البعض لهذه الأزمة، تمثّل في عدد كبير من التجاوزات والمخالفات في أكثر من مديريّة تربية ومجمّع تربوي وخاصّة في طرطوس، فإن ما نملكه بين أيدينا من وثائق واعترافات وحقائق تفرض علينا إطلاق الصوت عالياً آملين من السيد وزير التربية، التدخل السريع لوضع حدّ لهذه المهازل والفوضى والمزاجية والشخصنة للعديد من القضايا التربوية.

في هذه المقالة سنتحدث عن بعض ما يؤرّق الأهل والطالب، وحتى بعض الخريجين الجامعيين الذين يوكل إليهم التعليم من خارج الملاك.. فتفضّلوا معنا:

أسعار القرطاسية

أعتقد أن الدخول إلى أي مكتبة قد يصيب رب الأسرة بالذهول، خاصّة إذا كان صاحب المكتبة يلتزم بوضع التسعيرة على كل مادة من محتويات مكتبته، فالأسعار التي زادت في بعض الأحيان بنسبة 100% والضرائب وغيرها وغيرها لا تدعو إلى التفاؤل أبداً، وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد سجلنا من خلال مرورنا على أكثر من مكتبة في محافظة طرطوس الأسعار التالية: دفتر رسم (كانسون أصلي) 535 ليرة  والتقليد 225 ليرة، دفتر فني 200 ورقة مقسّم 525 ليرة، دفتر ريكورد 100 ورقة 225 ليرة، دفتر شريط 100 ورقة جلد بلاستيك 175 ليرة . أمّا الأقلام فقد وجدنا أصنافاً متعددة للنوع نفسه، منها ما هو أصلي ومنها ماهو تقليد، فمثلاً هناك أكثر من أربعة أنواع لأقلام (ليكسي) منها نوع واحد أصلي والباقي تقليد تراوحت أسعار القلم الواحد بين 25 و40 ليرة، وأقلام الرصاص تراوح ثمن القلم الواحد بين 25 و60 ليرة، في حين تراوحت أسعار المحايات بين 15 و75 ليرة وأقلام التلوين بين 100 و600 ليرة، أمّا ماعون الورق فتراوح ثمنه بين 900 و1300 ليرة، والحقائب بين 1100 و4000 ليرة، في حين تباينت أسعار (المحاليل) بين مكتبة ومكتبة، وقد عثرنا على بعض المحاليل لمواد عُدّلت في المنهاج.. وبنظرة سريعة ومقارنة بسيطة بين العام الماضي والعام الحالي نجد أن هناك زيادة على القرطاسية بنسبة 40%، في حين بقي راتب أصحاب الدخل المحدود على حاله، فكيف سيتدبّر هؤلاء ما يحتاجه فلذة أكبادهم في سبيل متابعة التحصيل العلمي؟!

السيد أبو عيسى، وهو أب لخمسة أولاد، تحدث لجريدة (النور) بكثير من الحرقة، مؤكداً لنا أنه لن يرسل ولديه إلى المدرسة بعد أن نالا شهادة التعليم الأساسي، بل سيرسلهما ليتعلما إحدى المهن.. وعندما سألناه عن عدم تسجيلهما في الثانويات المهنية، أكد لنا أن السبب الذي منعه هو ضيق الوضع المادي وليس أمراً آخر.

زيادة الضرائب

طبعاً لن يجد أصحاب المكتبات التي زرناها أي صعوبة في تبرير هذه الأسعار الجنونية، خصوصاً أن المستجدات هذا العام كانت غير متوقعة بالنسبة إليهم. السيد محمود عيسى، صاحب مكتبة، تحدث في هذا المجال قائلاً: هذا العام فوجئنا بزيادة ضريبة المالية على المكتبة نحو 60%، فمثلاً كانت الضريبة العام الماضي بحدود 7000 ليرة،  وهذا العام أصبحت 12 ألف ليرة، أيضاً هناك زيادة في أسعار الكيلوواط الساعي من الكهرباء، إذ قفز من 10 ليرات إلى 25 ليرة  مع الضرائب، أمّا ما كنا ندفعه العام الماضي للبلدية فكان بحدود 4000 ليرة وهذا العام 7000 ليرة .

وغير بعيد عن هذه الزيادات – يتابع محمود – فإن كيلو الحبر الخاص بالتصوير كان العام الماضي 3000 ليرة وهذا العام 9000 ليرة، أمّا درام آلة التصوير فكان بحدود 3000 ليرة والآن بحدود 12 ألف ليرة، ومسّاحة آلة التصوير كانت 900 ليرة  والآن 3500 ليرة، في حين قفز ماعون الورق من 400 ليرة إلى أكثر من 1200 ليرة!

يختتم السيد محمود حديثه بالقول: طبعاً هناك ضعف في القوة الشرائية نتيجة غلاء مواد المعيشة لدى الغالبية العظمى من المواطنين، وهذا ما أثّر على عملنا تأثيراً ملحوظاً، إضافة إلى انتشار بسطات (التعفيش) وحتى هناك بعض المكتبات التي تؤمّن بضاعتها بهذه الطريقة البشعة!

الكتب المدرسية

وبالانتقال إلى أسعار الكتب المدرسية نجد أن الغلاء قد طالها أيضاً، فزادت نسخة الكتب للصف التاسع مثلاً بنسبة 25%، فكتاب الرياضيات للصف التاسع على سبيل المثال كان سعره العام الماضي نحو 295 ليرة، وهذا العام 370 ليرة من مستودع الكتب في طرطوس، طبعاً قد يرافق هذه الزيادة زيادة أخرى نتيجة أجور النقل، وهذا بالطبع يعتبر غير مؤثر بشكل كبير في مرحلة التعليم الأساسي، ولكن ستصيبنا الدهشة لو انتقلنا إلى المرحلة الثانوية أيضاً، وفي هذا المجال أود أن ألفت الانتباه إلى ضرورة تغريم الطالب بثمن الكتاب الذي يُوزع مجاناً على أبنائنا الطلبة كي نرسّخ في أذهانهم الحفاظ على الممتلكات العامة، وهذه ثقافة أعتقد أننا في أمسّ الحاجة إليها الآن.

اللباس المدرسي

في العامين الماضيين لم يكن هناك تقييد، بمعنى التقييد، على اللباس المدرسي بعد أن أصدر السيد وزير التربية تعليماته التي تقضي بعدم التشدّد على اللباس المدرسي، وبالرغم من كل ما أخذ على هذه التعليمات، إذ بدت ساحات مدارسنا معارض للموديلات الحديثة والمنوّعة لبعض أصحاب الدخل غير المحدود، إلاّ أن بعض الأسر قد وجدت في هذا راحة لها من ثمن اللباس المدرسي الذي تراوحت أسعاره وفق نوعية القماش بين 2500 و5000  ليرة، والملاحظ أن هذه الأسعار لم يطرأ عليها زيادة كبيرة هذا العام، فأسعار اللباس المدرسي تراوحت في معظم المحلات التي زرناها بين 2800-6000ليرة، وأعتقد أن هذه الأسعار قريبة جداً من اللباس الذي اعتمده العديد من الطلاب والمتمثل ببنطال جينز أزرق مع قميص مدرسي.

معاناة مستمرّة ياسيادة الوزير!

طبعاً كنّا العام الماضي قد تناولنا هذه الحالة في مقالة وجهناها للسيد وزير التربية، ولم نتلقّ جواباً عليها، ونتمنى هذا العام أن يتكرّم علينا بإجابة تنصف العديد ممّن راسلوا مكتب جريدة (النور) بطرطوس حول التكليف بعدد من الحصص من خارج الملاك، وها نحن ننقل الشكوى الموقعة بأسماء عدد غير قليل ممّن عانوا على مدى سنوات من هذا الأمر:

ماهو مصير المكلفين ممن مضى على تخرجهم أكثر من أحد عشر عاماً دون أن يتسنى لهم التثبيت داخل الملاك، وهم يعانون في كل عام لتأمين الحصول على ساعات، ومنهم من يمارس العمل التدريسي خارج الملاك لمدة طويلة وهم مجردون من أي حق، حتى أنهم يحرمون في منتصف العام من ساعاتهم بعد إعطائهم نصف المنهاج، مما يؤثر سلباً على العملية التدريسية، إذ يقع الطلاب في اضطراب بين أسلوبَيْ المدرسين السابق واللاحق، وهذا يعرقل الاستمرار في تلقي الفكرة، إضافة إلى تقسيم المادة بين مدرّسين للصف الواحد وخصوصاً في مادة اللغة العربية، فإذا قُسّم المنهاج لمادة واحدة بين مدرسين، فكيف لهذا الطالب أن يستوعب المادة إضافة إلى مشكلة استحضار مدرسين من خارج المنطقة لملء شاغر أو استكمال نصاب في منطقة معينة كما هو الحال في الدريكيش والشيخ بدر وصافيتا وأحياناً بانياس، علماً أن هناك خريجين جديرين في المنطقة نفسها.

يختتم أصحاب الرسالة شكواهم بالطلب إلى وزير التربية: حفاظاً على سلامة العملية التدريسية وعلى حقوقهم وتعبهم أن يكون هناك قرار بإجراء مسابقة لانتقاء مدرسين دون شروط تعرقل حصولهم على فرصة الخضوع للمسابقة التي يجب أن تشمل جميع الخريجين القدامى بأقرب وقت، مشيرين إلى أنه من حق من أمضى أكثر من عشر سنوات في العمل أن يحصل على فرصة يستحقها كهذه.

أخيراً

لم يعد المواطن يعلم في أي اتجاه يسير وعلى أي جنب يمكنه أن ينام براحة ويسر، بعد أن اختلطت عليه الاتجاهات وباتت الآلام تقض مضجعه كل يوم وليلة، تارة من انحدار الأزمة بشكل مخيف وما يرافق ذلك من انحدار في الأخلاق مرعب أيضاً، وتارة من صدور بعض القرارات الارتجالية التي زادت الطين بلّة وجعلت هذا المواطن المعتّر في مهب الاحتمالات المخيفة كلّها، بانتظار أن يستيقظ ذات صباح على أخبار مطمئنة أو حتى نصف خبر يعيد إليه توازنه! فكم سيطول الانتظار ياترى؟!

العدد 1195 - 23/04/2026