اختفاء مواطن اختفاء مواطن
دفتر هاتف (1)
بعد غياب طويل فتحتُ دفتر الهاتف لأسجل الرقم الجديد لصديق تنقّل بين أربعة منازل خلال الحرب، وخطر لي أن أتصفح الدفتر الذي لا أدري ما دفعني لانتشاله بين ركام محتويات المنزل حين غادرته للمرة الأخيرة تاركاً كل ما فيه لمافيات الحرب والخراب والتدمير.
كانت كل صفحة منه حافلة بعشرات القصص.. معظم الأسماء المكتوبة هنا صارت في الغياب، ثمة من مات (موت ربه) وهم قلائل، ثمة من مات قنصاً برصاص هذا أو ذاك ولم يتسنَّ سحب الجثة ودفنها، ثمة من مات في الاعتقال ربما بسبب تقرير مخبر رخيص، وثمة من مات بقصف أو غارة أو غزوة أو دُفن تحت أنقاض منزله الذي لم يُرد أن يغادره حياً وميتاً.
الكثيرون من سكان هذا الدفتر الصغير هاجروا خارج البلاد براً أو بحراً أو جواً، والأكثر صاروا مهجرين داخل البلاد ولم تعد لأرقام هواتفهم من معنى سوى ذاكرة لزمن مضى ولن يعود.
ولأن البداية من حرف الألف فقد استقبلني جارنا أبو أيمن بدايةً وأجبرني، على عادته، أن أسرد حكايته بانتظار رواية أو روايات ربما تفي هؤلاء الضحايا حقهم، من جهة سرد حكاياتهم على الأقل، فيما الجلادون لا يحاسَبون، بل يتقاسمون ما تبقى من الكعكة أخيراً،كما في كل الحروب.
أبو أيمن، أقدم سكان البناء الذي كنا نقطنه، موظف، وحزبي، لكنه ككثير من السوريين جاء إلى الحزب كإجراء روتيني عندما كان طالباً في المرحلة الثانوية، إذ لم يكن ينفذ من الانتساب إلا كل طويل عمر، ولأنه ممن لا يملكون أي خلفية فكرية أو ثقافية تجعله يتخذ موقفاً محدداً فقد ساق في الموضوع واستفاد من منحة دراسية وفّرها له الحزب إلى الاتحاد السوفيتي ليعود مهندساً في السبعينيات، ويعمل بدأب في الاستفادة من كونه من أهل الرضا ومن شهادته التي يحملها، حتى صار مسؤولاً في الحلقة الوسطى في المؤسسة الحكومية التي يعمل فيها، واستطاع أن يحسّن أوضاعه المادية ليصبح ما يمكن أن نسميه طبقة متوسطة بالمفهوم السوري، لهذه الطبقة في سنوات ما قبل الحرب، منزل في المدينة وآخر في قريته، (عربية ملاكي) على قول الإخوة المصريين، واهتم بتعليم أولاده الخمسة فتخرجوا باختصاصات عالية وذات قيمة اجتماعية، أطباء ومهندسين، واستطاع شراء منزل لمن تزوج منهم أيضاً.. أي أن الرجل مرتاح مادياً ومعنوياً ،كما كان يبدو.
مشكلة أبو أيمن الوحيدة كانت في كونه سنفور معترض وليس معارضاً والعياذ بالله، فما إن تُقدم معلومة، أي معلومة في الطب أو الهندسة أو التاريخ أو الجغرافيا أو البيئة أو أو.. حتى يرفع صوته معترضاً وناقضاً معلوماتك مقدماً أرقاماً وتواريخ تثبت خطأ رأيك… هكذا حفظناه وصرنا نسمعه للآخر ونمضي دون نقاش..
لكن مع اندلاع الأزمة وخروج الناس في مظاهرات، ثم تحول الصراع لاحقاً إلى حرب عمياء، لم يستطع أبو أيمن أن يلجم لسانه عن عادته تلك، وقد نبهناه مراراً: يا جارنا العزيز، إن الزمن الأول تحول، ولسانك لم يعد حصانك فحسب، بل أصبح حصنك الحصين، والأفضل في أحوال كهذه أن تصمت، ذلك أن رأيك لا يقدم ولا يؤخر، وغالباً ما يكلفك حياتك، كما كان الإخوة العراقيون يتندرون أيام حكم المجرم صدام حسين حين يتحدثون عن جنحة أو جريمة بأن هذه (أقل شيء فيها إعدام).. وحمَلة السلاح عندنا أصبح لدى كل مجموعة منهم قوانينها وأحكامها وقضاتها، وهؤلاء يحكمون على المتهم أولاً ثم ينظرون لاحقاً في الحيثيات إن توفر لديهم وقت للنظر. لكن طبعه غلب التطبع، وبقي على عادته في اعتراض الناس الذين تدسهم هذه الجهة أو تلك لمعرفة من معها ومن ضدها، وكان تصنيف أبي أيمن دائماً أنه من الخلايا النائمة للطرف الآخر هنا، وهو يحاول تكذيب جماعتنا وتفنيد أقوالهم لتأكيد صحة آراء الأعداء، رغم أنه لم يقترب يوماً من سياسات هؤلاء أو أولئك، لكن هوسه بالاختلاف جعله يلاحق من قبل أكثر من جهة، حتى أنه عندما اختفى فجأة ذات فجر وهو عائد من الفرن، لم يستطع أحد أن يخمن من هي الجهة التي أخذته أو قتلته أو هجّرته إلى عالم آخر.. أبو أيمن الآن ليس حياً ولا ميتاً، هو في البرزخ بين الحالتين، إنه من مغيّبي الحرب، إنه السوري المنتظر، واحدٌ من السوريين المنتظرين..