بين المقاربة والاندفاع
لعل من أخطر الإشكاليات التي يعيشها المثقف العربي، مثقفو المرحلة الراهنة، مشكلة الاندفاع باتجاه الآخر على أنه (سوبر مان) عصره، وأنموذج (المثالية الخارقة) لشؤون الحياة كافة والمتعلقة لا على صعيد الآخر ضمن حدود أقاليمه وأقطاره ورؤاه تجاه الأشياء، بل يتعدى ذلك إلى المجمل الإنساني حيث يقيم ويكون، ويوجد..
على أنه (مجمل هامشي، وفوضوي، وغير خلاق، ولا فاعل، ولا ذو قيمة حضارية اعتبارية)، له كينونته، وتاريخه الحضاري، وثقافته، وسلوكياته المعبرة عن انبثاقاته الخلاقة ضمن حدود جعلتنا نعتبر أنفسنا ضمن سلوكنا الراهن أننا أمم متخلفة هامشية، منقادة بتبعية للآخر بلا حدود، ولا حواجز، ولا رؤية، وأن ما يقدمه الآخر لنا يمثل القيم المطلقة لما يجب أن يكون عليه العالم ضمن رؤية الآخر المتطور والمتقدم لما يجعلنا أمامه بأمس الحاجة إليه، على صعيد شؤون الحياة كافة: ثقافية واجتماعية وحضارية، وتقنية ما يضعنا اعتبارياً في إطار تبعية مطلقة للغرب الحضاري، وكأننا استثناءات عابرة في الوجود، استثناءات لا تاريخ لها ولا حضارة، ولا ثقافات وومضات رائعة التوهج والإشعاع عبر حقب الزمان كافة وخاصة تلك الحقب المتعاقبة، التي شكلت فيها منطقتنا بالذات وما زالت دعامة هامة وركائز خالدة لفكر إنساني متميز، دعمه العرب والمسلمون بأسماء وفعاليات تظل في ضمير الزمان والأجيال صورة مشرقة ومشرفة للدنيا كافة، فلماذا نحن الآن على مشارف هامشية مظلمة قاتمة ونحن في الألفية الثالثة للقرن الحادي والعشرين!؟
ما دفعني للخوض في هذا الموضوع الشائك والخطير، وخاصة فيما يتعلق بموضوعة الثقافة التي هي الشأن الآخر في حياتنا، ما لمسته منذ فترة من خلال اللقاءات الأدبية التي نحضرها شعرية كانت أم روائية، وخاصة ما يتعلق بموضوع النقد، إذ يذهب الناقد بكليته ووعيه وفكره في استشهاداته إلى شعراء ونقاد الغرب.. قال جال بريفير، وتلك رؤية رولان بارت، وهربرت ريد، وصموئيل بيكت، وفولتير، وآخرون كثيرون لا حصر لهم ولا نهاية، ولكم كانت الأمنيات حادة، وعاتبة عندما لا نستذكر واحداً من أسماء مفكرينا وروادنا ومبدعينا، من خلال التبعية المطلقة للآخر ـ كما ذكرت ـ أليس لدينا عبد القاهر الجرجاني قديماً، وابن قتيبة، وآخرون وحديثاً هناك أسماء تضاهي الآخر ثقافة وفكراً وعمقاً وعطاء أمثال المبدعين: عبد الغفار مكاوي في رائعته الخالدة (ثورة الشعر الحديث) في جزأيه الأول، والثاني، ود. شوقي ضيف، وغنيمي هلال، والقائمة تطويل؟!
فهل من وجهة النظر الذاتية المحضة القاصرة أن نقادنا الأعزاء، وحتى فيما ذهب إليه شعراء التغريب في القصيدة العربية المعاصرة، يرون أن بوصلتهم باتجاه الغرب الحضاري المتقدم، ودورانهم في فلك الآخر يجعلهم المفردين في تميزهم وإبداعهم، وأن انتماءهم لشرقنا انتماء معيب ومنقص لقيمهم الإبداعية والاعتبارية!
شيء مقلق ومحزن لدرجة الغثيان أن نضع وراء ظهورنا تاريخنا المشرف، وحضارة أبجديتنا الخالدة، وثقافتنا وأدبنا وشرف انتمائنا، ثم نلهث وراء تبعية مغرقة في آثامها وآثارها وسلبياتها القاتمة!؟ رب صحوة قادمة تعيد لهذا الوجدان حيويته، وتألقه عندما نشعر بقيمتنا وقيمنا ومن نحن في عالم معاصر عنيف.