الأحداث المتسارعة في فلسطين والأزمة السورية

 لقد شكل التدخل الإسرائيلي المبطن ثم لاحقاً الصريح في الأزمة السورية حافزاً وقلقاً للموقف الفلسطيني الرسمي، دفعه إلى الجزم بأن الأزمة السورية بشروطها الداخلية أزمة وطنية مركبة وشاملة يدخل فيها العامل الإقليمي بشكل واسع، ويتطلب الخروج منها عملية سياسية بين أطراف النزاع. وقد أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس مراراً أن الحل السياسي يبقى الحل الأمثل لإنهاء الأزمة السورية، وهو ما دفع السلطة الفلسطينية إلى لعب دور إيجابي مع أطراف المعارضة السورية ثم مع النظام السوري، لتشجيع إطلاق العملية السياسية الحوارية وتسهيلها، استناداً إلى ثلاث نقاط شكلت الأساس للسلطة الفلسطينية لأي موقف تكتيكي من هذه الأزمة، وهي أن تبقى سورية موحدة، أن تتجاوز الأزمة دون الوقوع فريسة الأصولية ومفاهيمها المدمِرة. أن تبقى على ارتباط وجداني وشعبي وسياسي بحقوق القضية الفلسطينية المحقة. من هذه النقاط الاستراتيجية كان رفض السلطة الفلسطينية واضحاً وصريحاً خلال السنوات الأربع السابقة من عمر الأزمة السورية ضد أي تدخل خارجي أمريكي.

ورأت السلطة الفلسطينية الرسمية أن دخول العنصر الفلسطيني في أي أزمات عربية سوف تنعكس عليه سلباً، وشكلت خبرة دروس الاشتراك في الأزمات الداخلية العربية في لبنان والأردن وحقبة غزو الكويت والخسائر الاستراتيجية التي وقعت على القضية الفلسطينية أساس الموقف من الأزمة السورية. وأخذت منظمة التحرير بجدية خطورة ما يجري في سورية، وكان الموقف الرسمي متميزاً بوعي واضح حول أهمية سورية ضابطاً جيوسياسياً إقليمياً تجاه القضية الفلسطينية، ومعادلاً إقليمياً -بالحد الأدنى- للصراع مع إسرائيل. نتيجة هذا الوعي، كانت القيادة الفلسطينية جريئة في الوقوف إلى جانب النظام الرسمي في سورية خاصة في مؤتمرات الجامعة العربية، رغم تعرضها المتكرر  لضغوط من محور الاعتدال الأمريكي- العربي!

وعلى الرغم من محصلة ممارسات النظام السوري التمييزية التاريخية تجاه منظمة التحرير وقياداتها الفعلية من حركة فتح، ومنعها من معظم النشاطات داخل المخيمات اللبنانية والسورية خاصة بعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، في مقابل تقديم كل شيء لحركة حماس. لم تقْدم القيادة الفلسطينية والرئاسة الفلسطينية خاصة على أي رد فعل ثأري غير عقلاني، بل كان أساس موقفها من الأزمة السورية هو المصالح الوطنية العليا للقضية الفلسطينية، ولم يخف عنها المعيار الإقليمي لأهمية دور الساحة السورية في الصراع مع إسرائيل، مع تمييزها لحق الشعب السوري من حقوق طبيعية تجاه النظام، بمعزل عن الميول الأصولية للجماعات المسلحة الإسلامية المعارضة. إذ تميز موقف الرئاسة الفلسطينية وحركة فتح عموماً بموقف جذري ضد الأصولية الدينية.

إن ترابط الساحتين الفلسطينية والسورية في مايحصل حالياً يبدو واضحاً، ويمكن أن نلاحظ ثلاث حوادث مترابطة سبقت اندلاع المواجهات الحالية بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال الإسرائيلي؛ الأول هو إعلان رئيس السلطة الفلسطينية السيد محمود عباس من على منبر الأمم المتحدة نهاية الشهر الماضي أن (فلسطين دولة واقعة تحت الاحتلال ). والثاني عدم ذكر الرئيس الأمريكي باراك أوباما من على المنبر نفسه أية كلمة عن (السلام) بين الفلسطينيين والإسرائيليين كما كان مألوفاً في كلماته في السنوات السابقة. والمؤشر الثالث هو التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية.

إن هذه المؤشرات مترابطة إذ يبدو أن الفلسطينيين قد استشعروا أن هناك نوعاً من التغير في التوازنات الإقليمية في المنطقة، بعد استنزاف المحور السعودي الإسرائيلي معظم الوسائل المتاحة لديه في قلب الشرق الأوسط لصالحه. ويُفترض أن الأحداث في فلسطين لها تأثيرات متبادلة مع سورية، ففي الوقت الذي تشتد فيه انتفاضة الفلسطينيين سَتُشغل إسرائيل عن أي تصرف عدواني على سورية في دعم المسلحين، في حال حصول تقهقر كبير لهم بعد اندفاع الجيش السوري بدعم من الطيران الروسي في المناطق التي يشغلونها. كما أن انقلاب الموازين العسكرية في الميدان السوري، لكونه أصبح محوراً لتحديد التوازنات الدولية الجديدة، سوف يفرض على إسرائيل والدول العربية المستبطنة لسياسات إسرائيل في المنطقة شروطاً جديدة تعطي للفلسطينيين حقوقهم التي طالما فقدوها نتيجة الممارسات الإسرائيلية العدوانية.

العدد 1194 - 15/04/2026