الإسكافي الحافي!
في الصفحات الأخيرة من دفتر الهاتف الناجي من المجزرة وجدت عبدالله، وقد دونت اسمه حينذاك في دفتر الهاتف لأتصل به كصديق اتخذته بعد (خناقة)، وبعد أن لطشني بعمولة تكسر الظهر حين اشتريت منزلي عن طريقه، رغم أني أكدت له أن الأموال التي سأدفعها جمعتها من قرض عقاري مع جمعيات وديون، لكنه لم يقبل المساومة، بعد عدد من اللقاءات الخاصة بمعاملة البيت أصبحنا شبه صديقين، فصرت أتصل به كلما طلب صديقٌ أو قريب منزلاً للشراء أو الإيجار في الحي، فأستشير عبدالله وأطلب منه مساعدة في تأمين المطلوب مع بعض الرأفة بالضحية الجديدة.
عبدالله الراضي، الرجل الستيني الذي يذكّرك بسمسار العقارات في الأفلام المصرية، قامة قصيرة جداً، نحيف حتى يكاد لا يرى، الرأس الصغيرة مع الصلعة الممتدة والوجه المليء بالتجاعيد، لكن كل هذا الضمور كان يعوضه صوت جهوري ولغة عربية أقرب إلى الفصيحة يدخل فيها أبياتاً من الشعر القديم طبعاً وآيات قرآنية وأمثالاً شعبية، ليصبح الزبون أسير مكتب عبدالله ولا يشتري منزلاً أو يستأجر إلا عن طريق هذا الرجل (الملسن)، الذي يبادرك بالقول بأنه حقوقي لكنه لا يحب مهنة المحاماة، حالما يعرف بأنك من (المثقفين)، وهو لقب يطلق في الأحياء الشعبية على كل من تجاوز البكالوريا.
لم يكن أحد – حتى زوجته – يعرف عدد المنازل التي يملكها في الأحياء الممتدة والمتداخلة ويؤجرها بأسماء مختلفة.
عبدالله الراضي حين يكون جالساً في المكتب بلا زبائن ولا(حوّيصة) من الذين يقومون بمساعدته مقابل جزء من العمولة، يلتقطك ولو مررت على مسافة منه، يناديك لتشرب القهوة المرة معه، ويتحدث عن ذكرياته في قريته المحتلة، عن خدمته الطويلة في الجيش حين كان مساعداً متطوعاً ودرس الحقوق خلالها، ويسرد عليك بعض الشعر العذب، ثم يقوم بإعداد شاي خمير سكر زيادة، لكن عندما تقطع جلسته هذه بأي حديث عن العقارات، ولو كان سؤالاً عابراً، فإنه كان يحتد قائلاً: اتركنا يا زلمة، نحنا وين وإنت وين..
وعندما يكون منشغلاً بزبائنه فإنه يكاد لا يرد السلام عليك وكأنه غير عبدالله الأمس.
الممنوعات من الأحاديث في مكتبه خلال وجود الآخرين طبعاً كانت السياسة والسياسة والسياسة، كما كان يردد، لكن عندما ينفرد بك فإن السياسة تحضر أيضاً لكن بحذر، ربما كان هذا من أثر خدمته الطويلة في الجيش حيث السياسة محظورة، ناهيك عن خمسين عاماً عاشتها البلاد في ظل قانون الطوارئ قد أخرست أكثر الناس منذ أن أجهضت الوحدة المصرية السورية تطور سورية الديمقراطي وحتى التنمية الاقتصادية السليمة..
منزل العائلة مدلل بالنسبة إلى حي شعبي كهذا الحي، مساحة واسعة مع حديقة وأكثر من مدخل، أما منازله التي اشتراها ليؤجرها فكان معظمها يفتقد الشرط الإنساني للسكن، إذ كان يردد: الناس عايفة سماها، خليها تسكن..
بالمختصر كان عبدالله رجلاً متعدداً، لكل مقام رجل، وبحجمه الصغير كان كبيراً، يتقدم رجال الحي في المناسبات والمصالحات وصلوات الجمعة، كان يجمع الخبث مع الطيبة، الطمع والجشع مع الكرم، الشجاعة مع الجبن، في معادلات مستحيلة، حتى استطاع أن يكون ثروة معقولة من (شطارته) مستفيداً من فورات سوق العقارات غير المستقر، وامتداد مناطق السكن العشوائي إلى ما لانهاية، كان يأتي بموظفي الحكومة إلى مكتبه لإبرام العقود مقابل المعلوم طبعاً، فيرتاح الزبون ويرتاح عبدالله ويرتاح موظف الحكومة أيضاً.
مررت أمام مكتبه آخر مرة قبل أن نغادر الحي بأيام، وكان يعتبر من المناطق الخطرة ولم يبق فيه من السكان إلا القليل ممن لا يملكون القدرة على مغادرة منازلهم، كان مكتبه مفتوحاً على مصراعيه، الأبواب مهشمة، الأثاث البسيط منهوب أو محطم، وحتى منزله الملاصق للمكتب كان مفتوحاً، ويبدو أن المعفشين قاموا بمهمتهم جيداً ثم أحرقوا المنزل، كنت على ثقة أن عبدالله هو أول من غادر الحي مع عائلته مع أول رصاصة أطلقت فيه، كان يكره الاحتمالات، خاصة إن كان فيها احتمال موت، وموبايله كان خارج التغطية دائماً، ظننت أنه هاجر خارج البلد مع ملايين المهاجرين.
منذ أشهر رأيت عبدالله بجسده الصغير، بوجهه المتغضن بحركاته السريعة والمتقنة، يخدم زبائن بسطة جوارب وألبسة داخلية أمام سوق الحميدية، نظرت إليه، رآني ورأيته، ثم وبحركته السريعة المعهودة أشاح بوجهه عني وتوجه إلى امرأة توقفت أمام البسطة ليسألها عن حاجتها!!
كان هو نفسه، عبدالله الراضي الذي لا يريد أن يمد يده لأحد، بعد أن خسر كل شيء كما لو أنه في لعبة قمار.
تركت اللقاء به والحديث معه إلى حين يكون فيه وحيداً على بسطته، لكن لن تكون هناك قهوة، ستكون هناك المرارة فقط.