المطلوب رجل من المريخ
كنت أود لو أني اخترت موضوعاً أكثر مرحاً وأقل إثارة لمشاعر السخط، إلا أن بعض المواضيع تفرض نفسها عليك دون رحمة، وهذا ما حدث معي حين قرأت في صحيفة محلية خبراً مفاده أن وزارة التجارة وحماية المستهلك تتوعد المراقبين التموينيين بأقسى العقوبات! ورغم يقيننا التام أن كلمة (أقسى العقوبات) لا معنى لها، وهي غير قادرة على ردع فاسد ولا إخافة من يفكر بالانتساب إلى نادي الفاسدين، إلا أن المفارقة هي أننا كمستهلكين كنا نتوقع أن يكون هذا التهديد المرعب والصادر عن الوزارة المسؤولة عن حمايتنا موجهاً نحو التجار المنهمكين بمص دمائنا، وليس نحو من يفترض أنه يراقبهم! ولكن نحن طبعاً فهمنا أن المقصود هو المراقبون المقصرون في عملهم، أي بالفصيح (المتواطئون معهم) وهنا تكمن الكارثة، فالمراقب بحاجة إلى من يراقبه، وذاك يحتاج مراقباً آخر أيضاً، والآخر لا ندري مدى نزاهته، وبالتالي سنضع فوق رأسه مراقباً، وهكذا حتى نشغل أبناء البلد كلهم في مراقبة بعضهم البعض، ونكون قد قدمنا للجميع فرصة للعمل وللانتفاع أي (البراني) بحسب اللغة الحديثة، و(حلّها إذا فيك تحلها)!
ألم أحذركم بأن هذا الحديث مثير للإزعاج، لا بأس إذاً بمزيد من الإزعاج، لو تحدثنا عن دور الرقابة بشكل عام، فأبسط أنواع الرقابة هو المراقب التمويني، بينما الرقابة الخطيرة هي تلك المسؤولة عن الفساد في المؤسسات، وذاك حديث ذو شجون، ولا أريد أن أفتح موضوعاً يؤلم القلب إلى هذه الدرجة، إنما أكتفي بذكر طرفة سمعت بها، ففي إحدى المؤسسات عاش الموظفون والمراقبون بسبات ونبات، وانتعش الفاسدون والفاسدات، فهذا يسرق وذاك يغطي عليه، و(الدنيا آخر انسجام)، إلا أن واحداً من هؤلاء المسترزقين كان غشيماً بعض الشيء، فوقع في أغلاط غبية أربكت من حوله، فاضطرت الرقابة النائمة إلى الاستيقاظ وإثارة الموضوع، لكن كما يحدث في مثل هذه الحالات، لُفلف الموضوع، إلا أنهم مراعاة للشكليات كان عليهم أن ينقلوا هذا الغشيم إلى مكان آخر، وكما تعرفون، ففي كثير من الأحيان يكون النقل إلى مكان أفضل، والهبش فيه أسهل، لكن ما حصل هذه المرة كان مختلفاً، إذ أتوا بحل عبقري، بأن نقلوا هذا الموظف للعمل في الجهاز الرقابي للمؤسسة! وهي في الحقيقة فكرة عبقرية تدل على الذكاء الإداري عندنا، فقد رأوا أن شخصاً مسكيناً مثل هذا سيكون عرضة لتحرشات المراقبين بسبب سقطاته الواضحة والفاضحة لو بقي في مكانه، وبالتالي أنقذوه من براثنهم من ناحية، ومن ناحية أخرى، فهو سيصبح مراقباً مثالياُ، أي أنه لن يتحرش بأحد، ولن يفتش عن أي شيء يقلق فيه راحة أحد، وهم في النهاية بحاجة إلى رجل مناسب لهذا المكان، ولن يجدوا أفضل منه، وإلا كان عليهم إرسال بعثة إلى المريخ للتنقيب فيها عن رجل لاستلام هذا المركز، لأن الموجود عندنا ثلاثة أصناف : صنف نزيه، ولكنه يعرف أن النزاهة وحدها غير كافية لممارسة عمله بشكل فعال، بل تحتاج إلى القوة لمساندتها، وبالتالي فهو يرفض هذا العمل إن لم يكن له ظهر يحميه، والصنف الثاني عنده استعداد للانحراف لكنه بحاجة إلى من يشجعه، والمشجعون كثر كما نعرف، أما الثالث فهو فاسد بالولادة، لذا تراه منذ لحظة دخوله العمل الحكومي يبحث عن أفضل الأماكن الصالحة لممارسة هواية السرقة…
والآن بعد أن صرت أرى هذا الكم من الفساد المركب والمتعدد المستويات، وبعد أن غزا اليأس قلبي من إمكانية اختراقه، بدأت أفهم لم كان الرب يلجأ إلى العقوبات الجماعية كالطوفان وغيره، حين يصل الموضوع إلى هذه الدرجة من السوء بحيث تغدو أي وسيلة للإصلاح دون جدوى.