بريد متأخر

 أفترض أن القصة بدأت هكذا: كان أول إنسان هاجر بحثاً عن رزقه ورزق عائلته، هائماً في الغابة البعيدة يفكر في أحبّته البعيدين، شعر بالحنين إليهم، فرسم على الحجر صورهم، رسمهم على جدران كهفه، على جذوع الشجر، آملاً أن تصل رسالته إليهم.. وكانت تصل.

الصور رسائل تصل إلى بريد الروح، كما القصيدة التي تكتب لحبيب بعيد ربما لن يتسنى له قراءتها، لكنه سيحسّ بها، سيطرق عطرُها بواباتِ التعب.

هكذا بدأت الحكاية كما أدعي..

أين صارت الآن؟

لن تستطيع مقالة أو بحث أو كتاب الإلمام بتاريخ البريد.

حاول الروائي السوري المهم خليل صويلح في إحدى رواياته (بريد عاجل) أن يلامس الموضوع من زاوية الأدب طبعاً، وأبدع.

البريد ألهم الكثير من الكتاب والمفكرين والشعراء والمنشدين، لأنه يرتبط بالغياب، والغياب حقل إلهام واسع للشعراء والعشاق.

حتى الأغاني التي بقيت خالدة تأتي على ذكر البريد عبر حامله (الحمام)، فيغني ناظم الغزالي:

أقول وقد ناحت بقربي حمامة

أيا جارتا لو تعلمين بحالي

وتقول الأغنية الشامية الشجية  التي يغنيها السوريون وغير السوريين في سهراتهم وحفلاتهم ورحلاتهم: يا طيرة طيري يا حمامة..

وانزلي بدمر والهامة… إلى آخر الوصية والنجوى.

إنه البريد،حيث القلب يناجي القلب، فتتيسر سبل الوصول ولو بعد عذاب مقيم وانتظار ممضّ.

لم تكن القرى في الريف قد عرفت الهاتف أو الكهرباء أو صنابير المياه أو الطرق المعبدة وغيرها من الخدمات العصرية، ثمة نبع وقنديل يلعب بضوئه نسيم الليل ودروب ترابية خطّتها أرجل العابرين…لكن بقي هناك قارئ وحيد على الأقل في القرية المنسية، الملا (إمام الجامع)، أو معلم القرية الذي يسكنها ريثما تنتهي مهمته الشاقة في السفر من مدن بعيدة عرفت نِعَم الحضارة ورفاهيتها إلى قرى ما زالت خارج التاريخ في كثير من أبجديات العصر، لكنه لا يلبث أن يقع في عشقها أو عشق امرأة منها، فيتوسط لدى مديريات التربية ليبقى في هذا المنفى الجميل سنة أخرى…

هذا القارئ الوحيد كان يعرف ما يرسله رجل بعيد إلى زوجته، وما يرسله ابن يخدم (العسكرية) في أقصى البلاد، وليس ثمة وسيلة ليطمئن الأهل إلا الرسالة الورقية المطوية في ظرف مغلق وعلى وجهها الأول: تصل إلى الوالد الغالي (أبو علي)، يرسلها مع زميل جاء دور إجازته وإن تعذر يرسلها بالبريد العادي، وعلى وجه المظروف: ديريك ـ دكان الحاج عبد الرحمن صالح ـ ومنه ليد الوالد حسين نجمة.

تصل الرسالة، لكن يحدث أحياناً أن يصل هو قبلها إن أتيحت له إجازة قريبة…

تمر الرسالة على ذلك القارئ الوحيد الذي يسعد بقراءة ما يتبادله الأقربون بوحاً ويترجم لهم ما أمكن.. وتزداد سعادته بترجمة ألغاز يرسلها زوج مشتاق إلى زوجته ويمنعه الخجل من البوح، لمعرفته بأن الرسالة ستمر على المترجم الإجباري، القارئ، فيدخل في رسالته كلمات ملغزة يعرف مقصدها القارئ ويبتسم حين يقرؤها للمرأة التي يحمر وجهها خجلاً وشوقاً للبعيد.

نحن الذين كنا الجيل الأول في تعلم القراءة والاطلاع على الرسائل أيضاً نحتفظ ببعض الشهادات الخجولة عن دبيب القلوب على الورق، والعشق الفائر بين السطور، كنا ننصت إلى الراديو، تسليتنا الوحيدة، نسمع (ما يطلبه المستمعون) من إذاعة دمشق نهاراً، وإذاعتي (صوت أمريكا) و(مونت كارلو) ليلاً، وبرنامج (لكل سؤال جواب) من لندن، إضافة إلى الأغاني ونشرات الأخبار التي يصر الكبار على أن نترجمها لهم بعد أن كانوا يقومون هم بالمهمة، فيصبح الخبر مختلفاً على ألسنة أهل القرية.

أولى رسائلنا كانت إلى (فردوس حيدر)، بل إلى صوتها الذي كان يلهب الأحاسيس حين يطل من إذاعة دمشق وهي تنقل طلبات الناس وإهداءاتهم من الأغاني، كنا نهدي الأغاني على بطاقات خاصة مطبوعة نشتريها من البقالية الوحيدة في القرية، إلى (الأهل والأقارب) بداية، ثم حين كبرنا قليلاً وصار نحل العشق يدب في دمائنا بدأنا نلغزها أكثر، حتى اضطر أحدنا مرة أن يهديها إلى جميع أهالي القرية كي تصل (طرطوشة) منها إلى حبيبته التي تنتظر الأغنية الموعودة.

ذلك البريد البطيء، تلك الرسائل الممهورة بخاتم الأشواق، الرسائل التي يحمل ورقها عطر الآخر لا حرفه فحسب، كم نشتاق إليها في زمن (الإيميل) والـ(مسنجر) والـ(وتس أب) وغيرها من البريد العاجل، العاجل جداً حتى لا يكاد يحتمل دقة قلب أو نبضة حب.

العدد 1196 - 29/04/2026